محمد علي محيي الدين
في مدينةٍ تتنفسُ الماء وتتهجّى النخيل، وُلد إبراهيم عبد الرزاق في أبي الخصيب، تلك البقعة الجنوبية التي تُنبت في أرواح أبنائها حساسيةً خاصة تجاه اللغة والحياة معًا. هناك، حيث تتجاور البساطة مع عمق التجربة، خطا خطواته الأولى في التعلم، قبل أن يشدّ الرحال إلى بغداد، المدينة التي كانت آنذاك تضجّ بالثقافة والتحولات الفكرية، ليكمل فيها دراسته الأكاديمية.
في كلية التربية بجامعة بغداد، نال شهادة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية بمرتبة الشرف عام 1962، حاملاً معه شغفًا مبكرًا بالكلمة، ليس بوصفها أداةً للتعبير فحسب، بل جسراً للتواصل بين العوالم والثقافات. ومنذ تلك اللحظة، بدا أن قدره سيكون موزعًا بين الكتابة والترجمة، بين الإبداع والنقل، بين الذات والآخر.
تقلّد إبراهيم عبد الرزاق عددًا من المواقع الوظيفية التي لم تُبعده عن عالمه الأثير، فعمل معاونًا لعميد معهد الفنون الجميلة، وهو موقع يليق بروحٍ مشدودة إلى الجمال، كما تفرّغ لاحقًا للبحث والترجمة في وزارة الإعلام، حيث وجد فسحةً أوسع لمزاولة شغفه الحقيقي، متوغلاً في النصوص الأجنبية، ينقلها إلى العربية بروح المبدع لا بروح الناقل.
غير أن بداياته تعود إلى أواسط خمسينيات القرن العشرين، حين أخذ ينشر مقالاته وقصصه في الصحف البصرية، مساهماً في إثراء المشهد الثقافي المحلي، ومعلنًا عن صوتٍ أدبي يتشكّل بهدوء، بعيدًا عن الضجيج. كان يكتب كما لو أنه يهمس، ويترجم كما لو أنه يعيد خلق النص، لا ينقله فقط.
ومن بين ما خلّفه من أعمال مطبوعة، تبرز ترجمته لكتاب “من حكايات الحارس الليلي” الصادرة عام 1993، وهي ترجمة تكشف عن حسٍّ سردي رفيع، وقدرة على الإمساك بروح النص الأصلي، إلى جانب كتابه “المياه العميقة”، الذي يحمل عنوانه دلالةً على عمق التجربة التي عاشها الكاتب في مسيرته الفكرية والأدبية. أما ترجماته الأخرى، فقد توزعت في المجلات والصحف العراقية، شاهدةً على جهدٍ دؤوب لم ينل ما يستحقه من التوثيق والاحتفاء.
ولعلّ المفارقة المؤلمة في سيرة هذا الكاتب أنه ظلّ، رغم عطائه، على هامش الضوء، فلم تُفرد له الدراسات، ولم تُكتب عنه السير، باستثناء ما ورد عنه في الجزء الأول من “موسوعة أعلام العراق”، وكأن ذاكرة الثقافة العراقية قد مرّت به على عجل، دون أن تتوقف طويلاً عند منجزه.
هكذا يمضي إبراهيم عبد الرزاق في سجلّ المبدعين الذين عملوا بصمت، وتركوا أثرهم في النصوص لا في الأضواء، في اللغة لا في المنابر. هو واحد من أولئك الذين آمنوا أن الكلمة مسؤولية، وأن الترجمة ليست نقلاً، بل إعادة ولادة، وأن الإبداع الحقيقي لا يقاس بما يُقال عنه، بل بما يبقى منه.