صبا زكي علوان الخميسي… والمندائيون: سيرة الضوء الممتد في تاريخ العراق

محمد علي محيي الدين

تمتد الطائفة المندائية في العراق كجذوةٍ لا تنطفئ، تضرب في عمق التاريخ وتتشبث بالحياة كما يتشبث النهر بضفافه، حاملةً إرثًا حضاريًا وإنسانيًا فريدًا ظلّ حاضرًا رغم العواصف. فمنذ آلاف السنين، كان المندائيون جزءًا أصيلًا من نسيج هذه الأرض، يرفدونها بعلمهم وحِرفهم وثقافتهم، ويتركون بصماتهم الواضحة في مختلف ميادين الحياة.

وقد لمع من بينهم عبر العصور أعلامٌ كبار أسهموا في بناء الحضارة العربية الإسلامية، فكان ثابت بن قرة أحد أعمدة العلم في بغداد العباسية، جمع بين الفلسفة والرياضيات والطب، ونال حظوة الخلفاء، فيما برز البتاني كواحد من أعظم علماء الفلك في التاريخ، إذ وضع أسسًا علمية ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم. ولم يكن إبراهيم بن سنان أقل شأنًا، فقد أبدع في الهندسة والبصريات، بينما ترك أبو الحسن الصابي أثرًا أدبيًا وتاريخيًا بارزًا في كتابة الرسائل والتأريخ.
وفي بلاط الخلفاء، تألق عمران الصابي كأحد الندماء المقربين من الخليفة المأمون، فيما برز القاضي أبو العباس المندائي الواسطي وقاضي بغداد أبو سعد في ميدان القضاء والفقه، في دلالة واضحة على عمق اندماج هذه الطائفة في الحياة الفكرية والدينية آنذاك. كما عُرف منهم أطباء مهرة كانت لهم مكانتهم في البلاط العباسي، إلى جانب علماء وفلاسفة أثروا الفكر الإنساني بإنتاجهم الغزير.
ومع دخول العراق العصر الحديث، لم يخفت هذا الحضور، بل تجدد بأشكال مختلفة، فبرز المندائيون في الحقل الأكاديمي والعلمي، وكان من أبرزهم الدكتور عبد الجبار عبد الله، الذي يُعد من رواد الفيزياء والفلك في العالم العربي وأول رئيس لجامعة بغداد، وقد أسهم في تأسيس نهضة علمية حقيقية. كما لمع اسم الدكتور عبد العظيم السبتي الذي أنشأ القبة الفلكية في بغداد، وأسهم في نشر الثقافة العلمية، إلى جانب أسماء أخرى مثل عبد الإله سباهي، وغضبان الرومي، ونعيم بدوي، ممن أثروا البحث العلمي والدراسات التاريخية.
وفي ميدان الأدب، تألق الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد بصوته الشعري القوي، كما أبدعت الشاعرة لميعة عباس عمارة في رسم عوالم شعرية رقيقة نابضة بالحياة، فيما أسهم باحثون ومثقفون كثر في إثراء الحياة الفكرية العراقية، فكانوا شهودًا على العصر وصنّاعًا لوعيه.
أما في المجال السياسي، فقد كان للمندائيين حضور فاعل في الأحزاب والحركات الوطنية، خصوصًا ذات التوجهات اليسارية، حيث برزت أسماء مثل خيري يوسف الحيدر، وستار الحيدر، وعزيز سباهي، وصبحي سباهي، وعبد الهادي السبتي، وفيصل السبتي، الذين شاركوا في صياغة المشهد السياسي العراقي في مراحل مختلفة.
ولم يغب تأثيرهم عن المجتمع في مجالات أخرى، فقد عُرفوا بمهارتهم الاستثنائية في الصياغة، حتى صار اسم الصائغ المندائي مرادفًا للإتقان والجمال، كما كان لهم حضور في ميادين الطب والهندسة والتعليم والإعلام، فضلًا عن السلكين العسكري والفني، حيث برز طيارون ومهندسون وفنانون تركوا بصمتهم في الذاكرة العراقية.
ومن بين هذه السلسلة المضيئة من الأسماء، تتجلى سيرة السيدة صبا زكي علوان الخميسي بوصفها امتدادًا حيًا لهذا الإرث، وصورةً معاصرة لروح المندائيين في التمسك بالهوية والانفتاح على العالم. فقد وُلدت في مدينة المقدادية بمحافظة ديالى، ونشأت في بيئة مشبعة بالقيم التراثية، ما انعكس لاحقًا في مسيرتها المهنية والثقافية.
بدأت الخميسي حياتها العملية مبكرًا، فدخلت مجال التجميل وتصفيف الشعر منذ ثمانينيات القرن الماضي، لتكون من أوائل النساء المندائيات اللواتي اقتحمن هذا الميدان، متحديةً القيود الاجتماعية، ومؤسسةً لنموذج نسوي طموح. ولم تكتفِ بذلك، بل واصلت دراستها حتى حصلت على شهادة في الإدارة والمحاسبة، ثم حملتها رحلتها إلى الهجرة، فانتقلت إلى الأردن عام 2002، ومنها إلى أستراليا عام 2004.
وفي المهجر، لم تنقطع صلتها بجذورها، بل ازدادت عمقًا، إذ واصلت تعليمها وتخصصت في مجالات متعددة، منها البرمجة العصبية اللغوية والتنويم المغناطيسي والعلاج بخط الزمن، ما منحها أدوات جديدة للعمل الإنساني والتنموي. ومنذ عام 2005، كرّست جهودها للعمل التطوعي، خصوصًا مع النساء والأطفال، إيمانًا منها بدور المرأة في بناء المجتمع وصون الهوية.
وقد تُوّج هذا المسار بتأسيسها رابطة المرأة المندائية في أستراليا عام 2006، لتكون أول مؤسسة نسوية مندائية في العالم، شكلت منصة للحفاظ على التراث وتعزيز دور المرأة في المجتمع. كما أسست أول فرقة للأطفال المندائيين عام 2007، في محاولة واعية لربط الأجيال الجديدة بجذورها الثقافية.
أما إنجازها الثقافي الأبرز، فتمثل في إصدار كتابها “قصص مستوحاة من الكنزا ربا” عام 2022، حيث نجحت في تحويل نصوص دينية عميقة إلى حكايات مبسطة، تُقرّب هذا التراث من القارئ المعاصر، في خطوة تُعد الأولى من نوعها في الوسط المندائي. ولم تقف عند هذا الحد، بل نظمت أول مهرجان لرأس السنة المندائية في أستراليا عام 2024، وأسهمت في إدراج الأعياد المندائية ضمن الروزنامة العامة، في إنجاز يعكس وعيًا ثقافيًا وحضورًا مجتمعيًا فاعلًا.
وتتواصل رحلتها اليوم في البحث والتنقيب عن الكنوز الفلكلورية، حيث تعمقت في دراسة الرموز والأزياء التقليدية، وتمكنت من إحياء اثنين وعشرين زيًا مندائيًا، لتعيد من خلالها تشكيل الذاكرة الجمعية في ثوب معاصر نابض بالحياة.

إن سيرة صبا الخميسي ليست مجرد قصة نجاح فردية، بل هي مرآة تعكس تاريخ طائفة بأكملها، حافظت على هويتها رغم التحديات، وواصلت العطاء في كل زمان ومكان. وهكذا يبقى المندائيون، في العراق وفي المنافي، حراسًا لذاكرة الماء، وصنّاعًا للضوء الذي لا يخبو.

قد يعجبك ايضا