إبراهيم الراوي… سيرة رجلٍ عبر العواصف وبقي وفيًا لفكرته

محمد علي محيي الدين

لم يكن اللواء الركن إبراهيم الراوي رجلًا عاديًا في زمنٍ مضطرب، بل كان من أولئك الذين تصوغهم الأحداث الكبرى كما يصوغونها، وتترك فيهم الحروب والتحولات بصماتها العميقة، فيغدون شهودًا عليها وصنّاعًا لبعض فصولها. وُلد عام 1895 في مدينة الرمادي، تلك المدينة التي كانت على تماسٍ دائم مع البادية والسلطة والتاريخ، فشبّ فيها متطلعًا إلى آفاق أبعد من حدود المكان الأول.
أكمل دراسته الابتدائية في مدينته، ثم دخل الثانوية العسكرية في بغداد عام 1906، وهناك بدأت تتشكل ملامح شخصيته الصارمة، المنضبطة، المشدودة إلى فكرة الواجب. ولم يكتفِ بما حصّله، بل رحل إلى إسطنبول، حيث التحق بالكلية العسكرية وتخرج فيها سنة 1914، ليبدأ رحلته في الجيش العثماني ضمن اللواء الثامن والثلاثين الذي كان مقره في البصرة. وما هي إلا أشهر حتى اندلعت الحرب العالمية الأولى، فوجد نفسه في قلب المعمعة، يقاتل ضمن جيشٍ آخذٍ في الأفول.

في سنة 1915 وقع أسيرًا بيد القوات البريطانية، ونُقل في رحلة قاسية إلى برما، ثم إلى سمربور في الهند، حيث ذاق مرارة الأسر، وهي تجربة لا تُكسر الرجال بقدر ما تعيد تشكيلهم. وبعد عام واحد، حين اشتعلت الثورة العربية الكبرى، التحق بالشريف الحسين بن علي، فانخرط في صفوف الثورة، وعُيّن قائدًا لفرقة ضمن رتل زيد بن علي، ثم أصبح مرافقًا لوزير الحربية عزيز علي المصري، أحد أبرز القادة العسكريين في تلك المرحلة.
لم تكن تلك السنوات سهلة، فقد جُرح في ذراعه أثناء الاشتباكات عام 1923، وكأن الجسد كان يدفع ضريبة القناعة التي حملها. عاد بعدها إلى بغداد، لينتسب إلى الجيش العراقي الناشئ، ويبدأ فصلًا جديدًا من حياته، هذه المرة في بناء مؤسسة عسكرية وطنية. تدرّج في المناصب حتى شغل مواقع مهمة في رئاسة الأركان، وكان من بين القلة الذين جمعوا بين الخبرة الميدانية والتكوين العلمي، إذ كان أول من التحق بكلية الأركان وتفوّق على أقرانه.
وفي عام 1941 أُوفد إلى إيطاليا، في وقت كانت فيه المنطقة تغلي بالتحولات، وظلّ، طوال خدمته، متحمسًا لفكرته القومية، يعمل على مدّ الجسور بين التيار القومي في الجيش ونظيره في الوسط المدني، مؤمنًا بأن الفكرة لا تكتمل إلا إذا سرت في شرايين المجتمع كله. وقد أثمر هذا الجهد عن مساهمته في تأسيس حزب الاستقلال عام 1946، الحزب الذي حمل نزعة قومية واضحة، وانتُخب فيه نائبًا لرئيسه محمد مهدي كبة، فكان أحد أعمدته الفكرية والتنظيمية.
لم يكن الراوي مجرد عسكري، بل كان صاحب ذاكرة حية، دوّنها في كتابه “من الثورة العربية الكبرى إلى العراق الحديث”، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1969، ثم أعيد نشره مصححًا في بيروت عام 1978، وفيه لا يروي الأحداث فحسب، بل يعيد قراءتها بعين من عاشها ووعى تناقضاتها.
نال خلال حياته عددًا من الأوسمة، كان أولها من الملك الحسين شريف مكة، فضلًا عن أوسمة الدولة العراقية منذ تأسيسها، وهي شواهد على مسيرة طويلة من الخدمة والالتزام.
رحل إبراهيم الراوي عام 1981 في بغداد، بعد عمرٍ امتد ستة وثمانين عامًا، عاشها بين ميادين القتال وقاعات الفكر، وبين الانتماء العسكري والالتزام القومي. ولم يكن حضوره يبهت مع تقدم العمر، فقد ظلّ، كما يرويه من التقوه، يمشي بخيلاء العسكري، محتفظًا بقامته الرشيقة وعنفوانه القديم.
وقد قُدّر لكاتب هذه السطور أن يلتقيه مرة في منزل الدكتور عبد الرزاق محيي الدين، حيث دار حديث بينهما عن القضايا القومية وما آلت إليه. يومها أهدى الراوي نسخة من مذكراته، وكتب عليها إهداءً لا تزال بعض كلماته عالقة في الذاكرة. وبعد أن غادر، جاء التعريف به من مضيفه، لا بوصفه ضابطًا كبيرًا فحسب، بل رجلًا صادق الانتماء، أصيل الولاء، لا يعرف التعصب، ولا يضيق أفقه بالآخرين، بل يرى في القومية طريقًا للتعايش، لا وسيلة للإقصاء.
وهكذا يبقى إبراهيم الراوي واحدًا من أولئك الذين لم تكن القومية عندهم شعارًا يُرفع، بل تجربة تُعاش، وفكرة تُختبر في ميادين الحياة، بكل ما فيها من انتصارات وخيبات.

قد يعجبك ايضا