حمزة رشيد الصيداوي
حين يتحول القانون إلى أداة للإعدام
في سابقة خطيرة تهزّ أركان النظام القانوني الدولي، أقدم الكنيست الإسرائيلي على إقرار تشريع يجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين تحت ذرائع أمنية وقومية. وهذا التطور لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً داخلياً، بل يمثل اختباراً حقيقياً لمدى صلابة قواعد القانون الدولي الإنساني، وقدرتها على الصمود أمام التشريعات ذات الطابع العقابي الانتقائي.
إن جوهر الإشكالية لا يكمن في عقوبة الإعدام بحد ذاتها فحسب، بل في السياق الذي أُقرت فيه، والفئة التي تستهدفها، والضمانات القضائية التي تم تقييدها أو تغييبها. فالقانون الدولي لا يعترف بسيادة التشريعات الوطنية حين تتعارض مع قواعد آمرة، وعلى رأسها الحق في الحياة ومبدأ عدم التمييز.
لقد أرست اتفاقيات جنيف إطاراً صارماً لحماية الأشخاص الواقعين تحت الاحتلال، سواء كانوا مدنيين أم أسرى. وهذه الاتفاقيات لا تكتفي بتنظيم المعاملة الإنسانية، بل تحظر بشكل واضح أي عقوبات تمس الحق في الحياة خارج نطاق محاكمات عادلة تتوافر فيها أعلى درجات الضمانات. وفي هذا السياق، فإن منح محاكم عسكرية صلاحية إصدار أحكام بالإعدام، مع تقييد حق الطعن أو الحد من إمكانية تخفيف الحكم، يُعد انحرافاً خطيراً عن أبسط معايير العدالة.
أما على صعيد حقوق الإنسان، فإن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وضع قيوداً صارمة على تطبيق عقوبة الإعدام، باعتبارها استثناءً لا يُلجأ إليه إلا في أضيق الحدود، وضمن ضمانات إجرائية مشددة. غير أن التشريع محل النقاش يتجه نحو توسيع نطاق هذه العقوبة، بل وتحويلها إلى أداة ردع جماعي موجهة ضد فئة قومية بعينها، الأمر الذي يضعه في مواجهة مباشرة مع مبدأ المساواة أمام القانون.
ولا يمكن إغفال البعد الأخطر في هذا التشريع، والمتمثل في طابعه التمييزي. إذ إن استهداف فئة محددة على أساس هويتها القومية يُعد انتهاكاً صارخاً لمبدأ عدم التمييز، الذي يشكل أحد أعمدة النظام القانوني الدولي. فالقانون، حين يفقد حياده، يتحول من أداة لتحقيق العدالة إلى وسيلة لإضفاء الشرعية على الإقصاء.
ومن زاوية القانون الجنائي الدولي، فإن تنفيذ أحكام الإعدام بحق أشخاص محميين، في ظل غياب ضمانات المحاكمة العادلة، قد يرقى إلى وصف القتل العمد، وهو ما يصنفه نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ضمن جرائم الحرب التي تستوجب المساءلة. وعليه، فإن المسؤولية لا تقف عند حدود التشريع، بل تمتد إلى كل من يشارك في تنفيذه أو يسهّل تطبيقه.
إن خطورة هذا القانون لا تكمن فقط في نتائجه المباشرة، بل في الرسالة التي يحملها: أن القانون يمكن أن يُسخّر لإنتاج عقوبات جماعية وتمييزية تحت غطاء الشرعية. وهذه الرسالة، إن لم تُواجه بحزم، قد تفتح الباب أمام تآكل منظومة الحماية الدولية التي بُنيت عقب مآسي القرن العشرين.
ختاماً، فإن الدفاع عن سيادة القانون لا يتحقق بسنّ تشريعات أكثر قسوة، بل بالالتزام الصارم بروحه ومبادئه. فالقانون الذي يُفرّق بين البشر في حقهم بالحياة، لا يمكن أن يُعد قانوناً بالمعنى الحقيقي، بل هو انحراف عن العدالة، مهما اكتسى من صيغ تشريعية.