محمد علي محيي الدين
في مطالع القرن العشرين، حين كانت كوردستان تضجُّ بأسئلة الهوية والحرية، بزغ اسم أحمد مختار بن عثمان باشا بن محمد باشا بن كيخسرو بك ، الجاف ، بوصفه صوتًا شعريًا لا يكتفي بالغناء، بل يحمل في نبرته قلق أمةٍ وحنينها إلى مجدٍ مفقود. وُلد سنة 1898 في مدينة حلبجة، تلك الحاضرة التي كانت تتكئ على إرث إمارة الجاف، فشبّ في بيتٍ تتعانق فيه الزعامة القبلية مع الثقافة، وتتشكل فيه الملامح الأولى لرجلٍ سيكتب لاحقًا قصيدته بمداد التجربة والمعاناة.
لم يكن تعليمه تقليديًا محدود الأفق، بل انفتح منذ صباه على لغاتٍ وثقافات متعددة؛ فتعلّم العربية والفارسية والتركية، وألمّ بالإنكليزية، حتى غدا قارئًا نَهِمًا للأدب الكوردي وغيره، ينهل من المخطوطات، ويصوغ لنفسه ذائقة أدبية ناضجة بإشراف أخيه الشاعر طاهر بك. وهكذا تهيأت له أدوات الشاعر المثقف، الذي لا يقف عند حدود القول، بل يتجاوزه إلى الفعل.
ولم يكن أحمد مختار جاف شاعرًا فحسب، بل كان رجلَ موقفٍ وميدان. جمع بين الحسّ القومي والعمل الإداري، فتولّى قائمقامية حلبجة في عشرينيات القرن الماضي، ثم دخل البرلمان العراقي سنة 1924، حيث حمل صوته مطالبًا بحقوق شعبه، مدافعًا عن كوردستان بوصفها قضية وجود لا مجرد مطلب سياسي عابر. غير أن المناصب لم تُغره طويلًا، فعاد إلى مدينته، مفضّلًا أن يكون قريبًا من الناس، حَكَمًا في شؤونهم، وسندًا لقبيلته.

ومع اشتعال ثورة الشيخ محمود الحفيد، لم يتردد في الانخراط فيها، فكان مع أبناء قبيلته في صفوف المقاومة، يلتحف جبال كوردستان، ويقاسم الثوار مرارة القتال وأمل النصر. غير أن دروب النضال لا تخلو من الغدر، إذ نالت منه وشايات الحاسدين، فزُجّ به في السجن بأمرٍ من الشيخ نفسه. لكن الشاعر، وهو في محبسه، لم ينكفئ أو ينقلب، بل أرسل قصيدة مفعمة بالإخلاص، فكانت أبلغ من كل دفاع، حتى أعيد إليه اعتباره، وعاد إلى قومه أكثر رسوخًا في مبدئه.
كان شعره مرآةً صادقة لروحه القومية؛ فيه نداءات يقظة، وتحريض على النهوض، ودعوة إلى الخروج من سبات الجهل إلى أفق الحضارة. لم يكن يرى في الشعر ترفًا لغويًا، بل أداة تغيير، فخاطب الشباب الكوردي ليكونوا طليعة الوعي، وحلم بوطنٍ موحّد، يجمع شتات كوردستان تحت راية واحدة. وكان يقول، بمعنى يفيض إخلاصًا، إن خدمة الأمة شرفٌ لا يعدله شرف، وإن الإنسان لا يكون وفيًّا إلا إذا أفنى نفسه في سبيل قومه.
ومع هذا الاندفاع القومي، لم يخلُ شعره من نبضٍ إنساني رقيق، فكتب للحب كما كتب للوطن، وترك بعد رحيله ديوانًا طُبع لاحقًا، ضمّ بين دفتيه هذا التنوع بين العاطفة والنضال. كما خاض ميدان السرد، فكتب قصة “مسألة الوجدان”، ليكون من أوائل من طرقوا باب القصة الكوردية، مثبتًا أن الإبداع عنده لم يكن حكرًا على الشعر وحده.
غير أن حياته، التي امتلأت بالحلم والعمل، لم تطل. ففي السادس من شباط عام 1935، امتدت إليه يد الغدر، فسقط برصاصٍ مجهول وهو يعبر نهر سيروان قرب حلبجة، ليرحل في ريعان شبابه، تاركًا خلفه فراغًا لا يُملأ بسهولة. ودُفن إلى جوار أخيه، وكأن القدر أراد أن يجمع بين شاعرين في الأرض كما جمع بينهما في الوجدان.
هكذا انطفأت حياة أحمد مختار بك جاف، لكنها لم تنطفئ في الذاكرة. بقي اسمه شاهدًا على زمنٍ كان فيه الشعر موقفًا، والكلمة عهدًا، والوطن قصيدة لا تُختتم. لقد عاش للكورد، ومات من أجلهم، وترك إرثًا يتجاوز حدود النصوص، ليصبح جزءًا من الحكاية الكبرى لشعبٍ ما يزال يكتب فصوله بين الألم والأمل.