التأخي / وكالات
أكدت دراسات أن الإعلام العمومي في مختلف أنحاء العالم يواجه تحديات غير مسبوقة ناتجة عن صعود المنصات الاجتماعية العملاقة والضغوط السياسية من الحكومات، فيما يسعى إلى استغلال الفرص الرقمية الجديدة للحفاظ على دوره في تعزيز الديمقراطية والتنوع الثقافي .
في الدول العربية، تتخذ هذه التحديات بعداً خاصاً، حيث يعاني الإعلام العمومي، من هيمنة المنصات الرقمية العالمية مثل يوتيوب وتيك توك وميتا، التي تسيطر على توزيع المحتوى وعائدات الإعلان. ورغم ذلك يبرز الإعلام العمومي كواحد من آخر الجزر المتبقية التي لا تزال تحظى بمستوى نسبي من الثقة لدى الجمهور، وفقاً لخبراء ودراسات حديثة .
ويصف مراقبون هذه الثقة بأنها “رأس المال الحقيقي الوحيد” الذي يمتلكه الإعلام العمومي في مواجهة هيمنة المنصات الرقمية العملاقة والضغوط السياسية والمالية المتزايدة .
ووفقاً لتقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة ، بقيت الثقة العامة في الأخبار مستقرة عند 40% للسنة الثالثة على التوالي، رغم التراجع الملحوظ في التفاعل مع وسائل الإعلام التقليدية. ويبرز الإعلام العمومي في دول مثل بريطانيا وألمانيا واليابان كمرجع أساسي للتحقق من الحقائق، حيث يلجأ إليه الجمهور أكثر من غيره عند الشك في مصداقية المعلومات المتداولة .
أما في العالم العربي، فتظهر بيانات إيدلمان تراست باروميترصورةمختلفة: الثقة في المؤسسات الحكومية مرتفعة نسبياً، خاصة في دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، حيث تحتلان مراكز متقدمة عالمياً في مؤشر الثقة العام. غير أن الثقة في الإعلام عموماً ، بما في ذلك الإعلام العمومي، تبقى أقل، وتتأثر بشكل كبير بالضغوط السياسية والفجوة الرقمية العميقة .
ووفقاً لتقارير ومناقشات في اتحاد إذاعات الدول العربية وقمم الإعلام العربي، أصبحت المنصات الاجتماعية قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكم في أنماط الإنتاج والاستهلاك، مما يقلل من تأثير المحتوى العمومي التقليدي .
ورغم أن عدد مستخدمي الإنترنت في الدول العربية يقارب 348 مليون شخص (حوالي 70% من السكان)، إلا أن حصة المحتوى العربي على الإنترنت لا تتجاوز نسبة ضئيلة، مما يعكس فجوة رقمية عميقة. كما أن أكثر من 60% من استهلاك الفيديو عبر الإنترنت يتم عبر منصات غير مرخصة (قرصنة ) .
وقال المهندس عبد الرحيم سليمان، المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية “اتحاد إذاعات الدول العربية يقود التحول الرقمي في الإعلام العربي”. وأشار إلى استخدام الذكاء الاصطناعي في تبادل الأخبار عبر منصات السحابة والإذاعة، مع تنظيم عشرات الدورات التدريبية في 2025 حول الذكاء الاصطناعي، استفاد منها عشرات الإعلاميين العرب.
يضاف إلى ذلك الضغوط السياسية. ففي عدة دول عربية، يواجه الإعلام العمومي اتهامات بالانحياز أو محاولات للسيطرة عليه، سواء من خلال التدخل في التعيينات أو توجيه المحتوى أو تقييد التغطية الميدانية. وفي الوقت نفسه، تعاني بعض المؤسسات من نقص التمويل المستدام، خاصة مع تراجع عائدات الإعلانات التقليدية التي انتقلت إلى الشركات التكنولوجية العالمية .
رغم هذه التحديات، يبحث الإعلام العمومي العربي عن فرص جديدة في الرقمنة. وتشهد دول مثل الإمارات ومصر والسعودية استراتيجيات وطنية للتحول الرقمي تشمل تطوير المحتوى الرقمي، واستخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج وتخصيص المحتوى، وإطلاق منصات خاصة أو تعاون مع المنصات العالمية .
وأكدت قمة الإعلام العربي 2025 ومؤتمرات اتحاد إذاعات الدول العربية أهمية توظيف الذكاء الاصطناعي والتحول إلى “الرقمي أولاً”، مع التركيز على مكافحة المعلومات المضللة وبناء الثقة لدى الجمهور الشاب .
كما يسعى الاتحاد إلى تعزيز التعاون الإقليمي لتبادل المحتوى الرقمي وتطوير البنية التحتية، بالإضافة إلى الاستفادة من تجارب عالمية في استراتيجيات التواصل الاجتماعي .
ويحذر الخبراء من أن عدم التكيف السريع قد يؤدي إلى تراجع دور الإعلام العمومي كضامن للتعددية والتعليم والثقافة الوطنية. ومع ذلك، يبقى له ميزة أساسية: الثقة النسبية مقارنة بالمحتوى التجاري أو المضلل المنتشر على المنصات .
وقال ماريوس دراغومير، مدير مركز أبحاث الإعلام والصحافة، في توقعاته لعام 2026 “أتوقع أن يستمر عدم الاستقرار المالي في التسارع: تجميد الميزانيات والتخفيضات وإعادة الهيكلة لم تعد مقتصرة على الدول المتأثرة بالأزمات، بل تمتد إلى أنظمة كانت تعتبر مستقرة سابقا” .