عادل الغافري
اختلف الباحثون في تعريفاتهم لحقوق الإنسان وفقا لرؤيتهم وتخصصاتهم، فنجد السيد فوده يعرفها بأنها: تلك الحقوق التي يتمتع بها الإنسان لمجرد كونه إنسانا أي بشرا، وهذه الحقوق يعترف بها للإنسان بصرف النظر عن جنسيته وديانته أو أصله العرقي أو القومي أو وضعه الاجتماعي أو الاجتماعي، أو الاقتصادي، وهي حقوق يملكها الإنسان حتى قبل أن يكون عضوا في مجتمع معين؛ فهي تسبق الدولة وتسمو عليها: كما عرفها لياليفين: بأنها مطالب أخلاقية أصلية وغير قابلة للتصرف مكفولة لجميع بني البشر بفضل إنسانيتهم وحدها .
يمكن إعطاء تعريف محدد لحقوق الإنسان نظرا لشموليته وعالميته، وهو مستمد من تعريف الأمم المتحدة (حقوق الإنسان هي تلك الحقوق المتأصلة في طبيعتها، والتي تكرس مبادئ وقيم العدالة والحرية والمساواة، والتي تهدف إلى ترقية وتنمية الإنسان وتكريمه، والتي بدونها لا يمكن أن يعيش كإنسان ) .
إن تعدد الأسس والمرجعيات الفكرية بالنسبة إلى حقوق الإنسان، تعطي منذ البداية انطباعا بالاختلاف حول الأساس الحقيقي للحق كفكرة لازمت الإنسان والمجتمعات، بالرغم من تباين السياقات والاعتبارات واختلاف المرجعيات؛ ذلك أنها وإن تنوعت، فهي لا تتناقض ولا تتعارض مع ثبوت هذا الحق للإنسان، وهي بذلك تسهم في توضيح صيرورة الحقوق لا التشكيك في حقيقتها، سواء تعلق الأمر بالمرجعيات الدينية أو النظرية أو القانونية.
لذلك، فقد شغلت قضية حقوق الإنسان على مرّ العصور حيزا مهما من النقاشات الفكرية والسياسية والثقافية، سواء في إطارها القانوني أو الاجتماعي، باعتبار أن احترامها أصبح أحد المعايير التي يقاس من خلالها مدى تقدم الدول والأمم والشعوب والجماعات أو حتى الأفراد، فهناك تقريبا شبه إجماع على مسألة حقوق الإنسان، ولم يعد بإمكان أحد التنكر لها صراحة أو علنا، حتى من الناحية الشكلية أو النظرية .
ولقد تعاظم الاهتمام الدولي بمسألة حقوق الإنسان، خاصة في الفترة الأخيرة التي كثرت فيها انتهاكات هذه الحقوق؛ فبعدما كانت مجرد قضية داخلية تتكفل بها الدولة في حدود قوانينها وأنظمتها، أصبحت ذات قيمة عالمية تتجاوز كل الحدود الجغرافية والخلافات الإيديولوجية، ومن تم التمسك بها من طرف جميع البشر بغض النظر عن الجنس أو الديانة أو الأصل القومي أو العرقي أو الوضع الاقتصادي الاجتماعي أو أي وضع آخر .
فالنصوص الأساسية (المواثيق – المعاهدات – القرارات) لحقوق الإنسان، سواء منها ما هو صادر عن هيئات دولية كالأمم المتحدة أو المنظمات التابعة لها، أو عن هيئات إقليمية لميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان – الميثاق العربي لحقوق الإنسان-الميثاقان الإسلاميان…. تقدم هذه الحقوق على أنها حقوق شمولية للنوع البشري، وأنها على الرغم من تجذرها في الثقافات الخاصة أو المحلية، موجهة إلى كل البشر بغض النظر، عن اللون والجنس أو العرق أو اللغة أو الوطن.
ومن هنا، ظهرت عالمية حقوق الإنسان في عالم يتميز باختلاف وتنوع ثقافيين، حيث برزت اتجاهات متباينة حول إشكالية العالمية والخصوصية الثقافية؛ أولها الاتجاه الذي يدعو إلى عالمية الحقوق وتوحيد تطبيقها على جميع الأسر البشرية دون استثناء أو تمييز، وثانيها الاتجاه المتمسك بالخصوصيات الثقافية، والذي يدعو إلى تطبيق حقوق الإنسان على نحو يتوافق ويضمن احترام الخصوصيات التي تميز كل الشعوب والمجتمعات، وأخيرا الاتجاه الذي ينادي بالتوفيق بين عالمية حقوق الإنسان والخصوصية الثقافية.
وتتجلى أهمية الموضوع في أن جدلية حقوق الإنسان والخصوصية الثقافية لا تعاني من صراع في المفاهيم والرؤى بقدر ماتعاني من توظيفات سياسية، من قبل الفاعلين الدوليين كما المحليين، باسم العالمية تارة في أشكال انتقائية ومعايير مزدوجة وتدخل في شؤون الدولة الداخلية، وباسم الخصوصيات والتميز تارة أخرى، في شكل ذرائع تستخدم لانتهاك أم لانتقاص من حقوق الإنسان والمواطن .
إن الأهمية في اعتقادنا كذلك، تكمن في محاولة إيجاد نقاط التشابه والتقاطع بين المفهومين، بما يسمح بالممارسة والتمتع بحقوق الإنسان العالمية التي يعترف بها للإنسان لمجرد كونه إنسانا، من دون إهدار لمجموع القيم والمبادئ الثقافية والاجتماعية التي تمثل خصوصية الإنسان وتميزه عن أخيه الإنسان، والمستمدة أصلا من البيئة الاجتماعية والثقافية والسياسية التي يعيش فيها هذا الإنسان أو ذاك، والتي تختلف قليلا أو كثيرا عن غيرها من الهيئات ومن الثقافات .
تتجلى الإشكالية الرئيسة لهذا الموضوع، في أن الإقرار والاعتراف النظري الصريح بكونية هذه الحقوق، لا يحل مشكل الكونية من حيث دلالتها وبعدها المرجعيات؛ فعندما تنسب الكونية إلى الغرب والثقافة الغربية، باعتبارها نموذج كل ثقافة كونية، فإن الأمر يولد جدالا لاحد له، ويثير مآخذ من جانب الثقافات الأخرى المنافسة للثقافة الغربية، وهكذا تطرح من جديد صراعات حول المرجعية – فما المقصود بالكونية والثقافة الغربية؟ وهل الثقافات الأخرى لم تسهم في بلورة هذه الحقوق؟ وإذا كانت هذه المرجعيات الغربية شمولية وكونية حقا، فلماذا تتجه إلى طمس معالم الخصوصيات الثقافية في ميدان حقوق الإنسان ذاته؟ وتبعا لما سبق ذكره سنقسم هذا الموضوع إلى مطلبين المطلب الأول: حقوق الإنسان بين العالمية والخصوصية .