ثقافة السلام من القول إلى الفعل ..

نوري جاسم .

ليست ثقافة السلام شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا خطابًا يُتلى في المؤتمرات، بل هي منهج حياة، وسلوك يومي، وتجربة إنسانية متكاملة تبدأ من أعماق النفس وتمتد لتشمل المجتمع والإنسانية جمعاء. إن السلام الحقيقي لا يُصنع بالاتفاقيات وحدها، بل يُبنى في القلوب قبل أن يُكتب في الوثائق، ويُمارس في الأخلاق قبل أن يُعلن في السياسات. لقد جاء الإسلام في جوهره دعوةً للسلام، حتى كان اسمه مشتقًا منه، يقول الله تعالى: “والله يدعو إلى دار السلام”، ويقول أيضًا: “وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله”، في دلالة واضحة على أن الأصل في العلاقة بين البشر هو السلم لا الصراع، والتعاون لا التنازع. كما أن تحية المسلمين اليومية “السلام عليكم” ليست مجرد لفظ، بل إعلان مستمر لنية السلام، وبناءٌ متجدد لجسور الطمأنينة بين الناس. وعندما نتأمل في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، نجد أن السلام كان خيارًا استراتيجيًا لا تكتيكًا مرحليًا، يتجلى ذلك بوضوح في صلح الحديبية، الذي مثّل نموذجًا فريدًا في تقديم مصلحة السلام على رغبات المواجهة، فكان فتحًا مبينًا، ليس بالسيف، بل بالحكمة وضبط النفس، مما يؤكد أن السلام قوة وليس ضعفًا، وأن التنازل من أجل حقن الدماء رفعة لا مذلة. وإن ثقافة السلام تبدأ من الداخل؛ من تربية النفس على التسامح، وكبح جماح الغضب، وتطهير القلب من الأحقاد. فكما يقول أهل التصوف: “من لم يسالم نفسه، لن يسالم غيره”. وهذا المعنى يتجذر في قوله تعالى: “ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم”، حيث يتحول العداء إلى مودة حين يُقابل الشر بالخير، والكراهية بالمحبة.
ومن الناحية الاجتماعية، فإن نشر ثقافة السلام يتطلب بناء مؤسسات تربوية وثقافية تُعنى بغرس قيم الحوار وقبول الآخر، وتعزيز لغة العقل بدل الانفعال، والتفاهم بدل الإقصاء. فالمجتمعات التي تتبنى ثقافة السلام لا تلغي الاختلاف، بل تديره بحكمة، وتحوله إلى مصدر غنى وتكامل. أما على المستوى السياسي، فإن السلام ليس مجرد خيار أخلاقي، بل ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار والتنمية. فالحروب لا تنتج إلا الخراب، بينما يفتح السلام آفاق الإعمار والتقدم. وتشير تجارب الأمم إلى أن الدول التي اختارت السلام نهجًا، استطاعت أن تحقق ازدهارًا اقتصاديًا واجتماعيًا يفوق بكثير ما حققته عبر الصراعات. وإن الانتقال من القول إلى الفعل في ثقافة السلام يتطلب إرادة حقيقية، تبدأ من الفرد ولا تنتهي عند الدولة، مرورًا بالمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية. فكل كلمة طيبة، وكل موقف تسامح، وكل مبادرة إصلاح، هي لبنة في بناء هذا الصرح الإنساني العظيم. وفي العمق الروحي، فإن السلام ليس مجرد علاقة خارجية، بل هو تجلٍ لحالة صفاء داخلي، حيث يسكن القلب في حضرة الطمأنينة، ويتحرر من صخب الأنا وصراعاتها. وهناك، في ذلك السكون العميق، يولد السلام الحقيقي، الذي لا تهزه العواصف، ولا تعكره الخلافات، لأنه متصل بمصدر النور الإلهي. وهكذا، فإن ثقافة السلام ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية، وخيارًا حضاريًا، ورسالة إنسانية سامية. إنها دعوة لأن نكون صانعي سلام، لا مجرد متحدثين عنه، وأن نحول القيم إلى أفعال، والشعارات إلى واقع، ليعم الخير، ويسود الوئام، وتشرق الإنسانية بنور المحبة. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما …

قد يعجبك ايضا