د. نزار الربيعي
يُعدّ الأمن أحد أهم الركائز التي تقوم عليها الدولة الحديثة، إذ لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق الاستقرار أو التنمية دون وجود منظومة أمنية فاعلة تعتمد على أسس علمية ومهنية واضحة. وفي هذا السياق، يبرز الجدل حول طبيعة إدارة الأمن، هل يجب أن يُبنى على الولاءات والتوازنات السياسية أم على الكفاءة والاحتراف؟ إن التجارب التاريخية والمعاصرة تؤكد أن الأمن الحقيقي لا يتحقق إلا من خلال الاعتماد على الكفاءة المهنية والاحتراف المؤسسي.
إن الاعتماد على الولاءات الشخصية أو الحزبية في إدارة الأجهزة الأمنية يؤدي إلى نتائج سلبية على المدى القريب والبعيد. فالولاء غالبًا ما يكون مرتبطًا بمصالح ضيقة، مما يضعف من قدرة المؤسسة الأمنية على أداء مهامها بشكل موضوعي. كما أن هذا النمط من الإدارة يُنتج بيئة عمل غير عادلة، حيث تُمنح المناصب بناءً على الانتماء وليس على الجدارة.
أما التوازنات السياسية، فعلى الرغم من أنها قد تُستخدم كوسيلة لإدارة التنوع داخل الدولة، إلا أن الإفراط في الاعتماد عليها داخل المؤسسات الأمنية يُضعف من فاعليتها. فالأمن يتطلب سرعة في اتخاذ القرار، ودقة في التنفيذ، وهو ما لا يمكن تحقيقه في ظل حسابات سياسية معقدة.
في المقابل، تُعدّ الكفاءة المهنية حجر الأساس في بناء منظومة أمنية قوية. فالعناصر المؤهلة علميًا وعمليًا تمتلك القدرة على التعامل مع التحديات الأمنية المختلفة بكفاءة عالية. كما أن التدريب المستمر والتطوير المهني يسهمان في رفع مستوى الأداء وتعزيز الجاهزية.
الاحتراف المؤسسي يعني وجود نظام واضح من القواعد والإجراءات التي تُنظم عمل الأجهزة الأمنية، بعيدًا عن التأثيرات الشخصية والسياسية. وهذا يشمل اعتماد معايير شفافة في التعيين والترقية، وتطبيق مبدأ المساءلة، وتعزيز ثقافة الانضباط.
تُظهر التجارب الدولية الناجحة أن الدول التي اعتمدت على الكفاءة والاحتراف في إدارة الأمن استطاعت تحقيق مستويات عالية من الاستقرار. ففي هذه الدول، تُبنى المؤسسات الأمنية على أسس علمية، ويُنظر إلى الأمن كوظيفة مهنية لا كأداة سياسية.
كما أن الأمن القائم على الكفاءة يعزز من ثقة المواطنين بالمؤسسات الأمنية، إذ يشعر الفرد أن هذه المؤسسات تعمل لخدمته وحمايته، وليس لخدمة فئة معينة. وهذه الثقة تُعدّ عنصرًا أساسيًا في تحقيق الأمن المجتمعي.
من جهة أخرى، فإن غياب الاحتراف يؤدي إلى انتشار الفساد داخل الأجهزة الأمنية، مما يُضعف من هيبتها ويُقوّض دورها. فالفساد غالبًا ما يرتبط بغياب المعايير المهنية، وبتغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة.
إن التحول نحو إدارة أمنية قائمة على الكفاءة يتطلب إرادة سياسية حقيقية، واستثمارًا في التعليم والتدريب، بالإضافة إلى إصلاحات مؤسسية شاملة. كما يتطلب بناء ثقافة تنظيمية تُقدّر الجدارة وتُكافئ الأداء المتميز.
في النهاية، يمكن القول إن الأمن لا يمكن أن يُدار بفعالية من خلال الولاءات أو التوازنات السياسية، بل يحتاج إلى منظومة احترافية قائمة على الكفاءة والمعرفة والخبرة. فالدولة التي تسعى إلى الاستقرار والتنمية لا بد أن تُدرك أن الأمن مسؤولية مهنية قبل أن يكون أداة سياسية.