ماهين شيخاني
“اليوم كان أقسى يوم في حياتي…” بهذه الكلمات انكسر صوت صديقي كما ينكسر الزجاج تحت الأقدام.
أمسكت بيده التي ارتجفت كعصفور جريح، مشدودًا بين أن أوقفه عن مواصلة الحديث أو أن أسمح له بأن يروي لي ما يعانيه: “ما الأمر يا صديقي؟ قل لي، فضفض ما لديك.”
نظر إليّ بعينين تفيضان بألمٍ عرفته من قبل، ألم مرّ عبر أيامه، عبر سنواته، إلا أنني لم أكن أعرف أن الألم يصل إلى هذا الحد. بدأ الحديث بصوت خافت، وكأنه يبوح بسرٍ عميق، مرّ عليه طويلاً ولم يعد قادراً على احتماله بعد الآن: “بقيتُ اليوم دون قرش… حتى ثمن ربطة الخبز لم أملكه. وزوجتي تنظر إليّ وكأنني خيبتُ أملها الأبدي.”
تذكّر فجأة، وصوت السخرية يلوح في عينيه، صديقاً آخر كان قد أخبره يوماً:
“لك كل الحق في الشعور بالغدر يا صديقي… وأنا لا أملك حتى ثمن الخبز.”
لكن تلك الكلمات لم تجد طريقها إلى قلبه في تلك اللحظة. فقد كانت الأمور أبعد من مجرد الخبز. في أعماقه كان يرى نفسه مكسوراً، مهزوماً، عاجزًا عن توفير أبسط حقوق أسرته. وكان الهم الأكبر بالنسبة له ليس فقط الجوع، بل فقدان الكرامة.
تفاقم الصراع في قلبه عندما تذكر تلك الجلسة مع قريبٍ له، جلس الرجل يعطيه “دروساً مجانية” في الاقتصاد، وهو يضغط على يده وكأنه يعصر منها آخر قطرة من كرامته:
“يا قريبي… أي غدر هذا تتحدث عنه، وأنا لا أملك ثمن ربطة الخبز؟”
لم يكن يملك جواباً. الكلمات كانت تتساقط عليه كالمطر، ولكنها لا تجد فيها خلاصًا. بدأ يتخبط في أفكاره بين الموت والحياة، بين الحلم والواقع.
وفجأة، دخل الأطفال كالعاصفة:
“بابا! السيارة جابت الخبز!”
“بابا… نحن جائعون!”
كانت كلماتهم كسكاكين تدق على أوتار قلبه المتعب. تلاحقت الصور في عقله: صور الجوع، صور الفشل، صور الوجوه التي لم تعد قادرة على الضحك. كان يشعر بثقلٍ غير مرئي يضغط عليه أكثر من أي وقت مضى.
من الغرفة المجاورة، صرخت أمهم بنبرةٍ يائسة:
“هذا والدكم! ولم يعد لدي قرش!”
كانت الكلمة الأخيرة في هذه الجملة تتردد في عقله كالصاعقة، تخلق في داخله شعورًا بالخزي، وكأن الحياة قد انتزعت منه آخر قطرة من رجولته.
خرج سريعاً، غير قادر على تحمل النظر إلى زوجته وأطفاله، فهرب إلى شوارع المدينة المزدحمة، عينيه تبحثان في وجوه المارة عن نظرة عطف أو كلمة مساعدة. كان يسير في طرقاتٍ ظنَّ أنه يعرفها جيدًا، لكن في تلك اللحظة كانت المدينة تبدو له كغابةٍ لا تعرفه.
زار أربعة أصدقاء، قطع مسافاتٍ أصبحت فجأة شاسعة، وكل خطوة كان يشعر بثقلها على قلبه. كانت الوجوه أمامه غريبة، كما لو أن المدينة قد أدارته ظهرها فجأة. وبدأت أسئلته تتوالى دون إجابة: “هل من وجهٍ يعرفني؟ هل من يدٍ تمدّ لي بقطعة نقود؟”
عاد خائبًا، فكتب رسالةً يائسة إلى صديق آخر، وعده بالمساعدة، مما جعل قلبه ينتعش للحظة. انتظر طويلاً أمام المحل المغلق، يدخن سيجارةً تلو الأخرى، عينيه تراقب الطريق الطويل. حتى أطفأ آخر بصيص أمل.
ولكن عند عودته إلى البيت، كانت المفاجأة أكبر. الأطفال نائمون في الصمت المطبق، لا توجد قطعة خبز قديمة ناشفة ، عند الجوع لايوجد خبز سيئ ، جوعهم قد هدَّهم، وأصبحت أحلامهم شبحًا لا يُدرك. زوجته لم تعد تتكلم، لكن الملامة كانت في عينيها، في طريقة تنهدها. لم يعد هناك شيء يمكن قوله.
جلس في زاوية الغرفة المظلمة، وكانت أسئلة لا تنتهي تتصارع في ذهنه: هل سأسلم كرامتي؟ هل سأضحي بكل شيء لأجلهم؟ أم يجب أن أستسلم لهذا الواقع البائس؟
“أفكر ببيعه…” همس، مشيراً إلى البيت الذي بناه بيديه. أبيع البيت؟ السقف الوحيد الذي يحفظ لي كرامتي؟
وفي قمة اليأس، اختفى في الظلام… كأن كل شيء قد انتهى بالنسبة له.
في منتصف الليل، بينما كان الأطفال يغطون في نومهم الجائع، نهض من زاويته المظلمة. نظر طويلاً إلى وجوههم النائمة، ثم تناول من على الطاولة رسمة ابنته التي كتبت عليها:
“عندما أكبر سأشتري لك كل الخبز في الدنيا.”
ابتسم ابتسامة مريرة، ووضع الورقة في جيبه. اقترب من سرير زوجته النائمة، همس بكلمات لم تسمعها: “اغفروا لي.”
خرج من البيت في صمت، حاملاً حقيبة صغيرة لا تحتوي سوى على تلك الرسمة. وتوجه إلى محطة القطارات البعيدة، حيث ينتظر قطار الشمال الذي يصل في الساعة الثالثة فجراً.
وقف على رصيف المحطة المهجور، وهو ينظر إلى القضبان الممتدة في الظلام، والحياة في داخله تكاد تنفجر. في يده اليمنى تذكرة ذهاب بلا عودة، وفي يده اليسرى رسمة ابنته.
كان يعرف أن هناك طريقتين لإنقاذ عائلته: إما أن يبيع بيته، وإما أن يبيع كرامته. لكنه اختار طريقاً ثالثاً…
عندما سمع صفارة القطار البعيدة، أخرج الرسمة وقبّلها، ثم ألقى بنفسه على القضبان. وفي اللحظة الأخيرة، حدث ما لم يكن يتوقعه…
توقف القطار فجأة قبل أن يصل إليه بمسافة قصيرة. فتح السائق النافذة وصاح: “أيها المجنون! ماذا تفعل؟”
نظر الرجل إلى السائق، ثم إلى الرسمة في يده، ثم إلى المدينة النائمة التي تحتضن أطفاله…
لم يعرف أحد ماذا حدث بعدها. هل صعد إلى القطار؟ أم عاد إلى بيته؟ أم اختفى في ظلام الليل؟
كل ما بقي هو رسمة الطفلة التي وجدها أحد المارة في اليوم التالي، ملقاة على الرصيف، مكتوب على ظهرها: “أبي… الخبز ليس مهماً… المهم أن تظل بيننا.”
لم يعد أحد يراه في الحي بعد تلك الليلة. أصبح بيته مغلقاً، وأطفاله انتقلوا إلى أهل الزوجة. لكن الجيران كانوا يحلفون أنهم يسمعون في الليالي المظلمة صوت رجل يبكي داخل البيت الخالي. وربما كان الوحيد الذي يعرف الحقيقة هو ذلك القطار الذي يمر كل ليلة فيصفر طويلاً، وكأنه يروي قصة رجل فضّل أن يضيع في الظلام على أن يرى الجوع في عيون أطفاله.
وفي صباح اليوم التالي، عثرت الشرطة على حقيبة صغيرة عند محطة القطار، بداخلها رسمة طفلة وتذكرة قطار ممزقة. لم يعثر لأحد على جثة… لكن سكان الحي يقولون إن روحه لا تزال تتجول ليلاً، تبحث عن ربطة خبز قديمة، ربما تسد جوع أطفاله في العالم الآخر.