رئيس التحرير
يُجمع الكوردستانيون ومعهم شرائح كبيرة من المجتمع العراقي، على أن ثورة 11 ايلول 1961 التي اطلق شرارتها الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة الأب الروحي مصطفى البارزاني، لم تكن ثورة خاصة بالشعب الكوردي فحسب، بل ثورة عراقية كبيرة، شارك فيها جميع ابناء الشعب العراقي كوردًا وعربًا ومكونات قومية ودينية اخرى، بوصفها ثورة هدفت الى خلاص الشعب العراقي من الظلم والاضطهاد، عن طريق رفعها شعار (الحرية لشعب كوردستان والديمقراطية للعراق).
على الرغم من ان الثورة حَمّلت شعب كوردستان آلامًا ومعاناة كبيرة، من القتل والتدمير وهدر الطاقات والأموال، الا انها كانت انعطافة كبرى في تأريخ نضال شعب كوردستان، بعد عقود من السياسات العنصرية والشوفينية التي مارستها السلطات التي توالت على حكم العراق بدءًا من تأسيس الدولة العراقية الحديثة والى انتفاضة شعب كوردستان في عام 1991 وانشاء كيان اقليم كوردستان، الذي يمثل ثمرة تضحيات ولدماء سالت من اجل الحرية والكرامة والخلاص من الهيمنة والإحتلال.
كان من أبرز مكاسب تلك الثورة هو التلاحم الوطني بين مكونات الشعب العراقي ومشاركتهم الفاعلة في اندلاع واستمرار ثورة ايلول، في مواجهة الطغمة الحاكمة، التي ارادت ان تزرع بذور الفتنة والفرقة بين العراقيين، واستمرار نهجها العدواني والشوفيني وتمرير سياساتها لوأد الحلم الكوردستاني، بسبب عدم ايمانها ببناء النظام الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة عبر الآليات الديمقراطية المتبعة في العالم.
ومن المكاسب المهمة الأخرى لتلك الثورة العظيمة هي توقيع اتفاقية 11 آذار بين القيادة الكوردية ونظام البعث في عام 1970، التي اعترفت الحكومة حينها بشكل واضح وصريح بحقوق شعب كوردستان، ومنح الحكم الذاتي في المحافظات ذات الأغلبية الكوردية عدا محافظة كركوك، التي كانت احد الأسباب الرئيسة، لتراجع النظام عن تنفيذ الإتفاقية، وارغام القيادة الكوردية على استئناف القتال ومن ثم توقيع اتفافية الجزائر الخيانية التي حَمّلت العراق وشعوب المنطقة نتائج كارثية ماتزال آثارها وتداعياتها باقية الى اليوم.
انشاء كيان اقليم كوردستان، بعد الإنتفاضة الجماهيرية في كوردستان في عام 1991، هي من اهم واعظم منجزات ثورة ايلول العظيمة والتي توجت بتشكيل برلمان وحكومة اقليم كوردستان، عبر صناديق الاقتراع، بمشاركة جميع القوى السياسية الكوردستانية وغالبية الكوردستانيين، والتي اضحت انموذجًا يحتذى بها في المنطقة ويشار لها بالبنان في المحافل المحلية والعربية والعالمية، وتحظى بدعم القوى الكبرى، لدورها الكبير في تحقيق الأمن والإستقرار للعراق ودول المنطقة بشكل عام.
لكن العقلية المتخلفة المحلية التي لا تؤمن بالنظام الديمقراطي، والآليات الديمقراطية بوصفها وسيلة لبناء دولة فدرالية حقيقية تحتضن الجميع وتحقق آمال وطموحات ابناء الشعب، فضلا عن بعض القوى الإقليمية التي ترى في استمرار واستقرار كيان اقليم كوردستان، تهديدًا على مصالحها، يسعيان معًا لتقويض هذا الكيان واضعافه، من خلال الحصار الإقتصادي وقطع رواتب الموظفين وتدمير البنية التحتية في الإقليم ،وتهديد المستثمرين، وخلق حالة من الإستياء الشعبي والقلق النفسي للمواطن الكوردستاني.
الا ان حكومة اقليم كوردستان، ومن منطلق الحرص على امن البلاد وسلامة المجتمع العراقي والحيلولة دون تكرار تجارب الماضي المريرة، تواجه جميع تلك التحديات، بعقلية حكيمة وبهمة رجال دولة، مستوحاة من التجارب والخبرة المتراكمة، وتحاول جاهدة حل المشاكل والخلافات مع الحكومة الإتحادية في إطار القانون والدستور وعدم الإنجرار وراء الحلول الإنفعالية التي يحاول بعضهم فرضها كواقع حال.
واليوم فإن حكومة اقليم كوردستان التي تحظى بدعم كبير من الجماهير الكوردستانية، لما حققته من منجزات بل طفرات كبيرة في المجالات الأمنية والسياسية والدبلوماسية والقطاعات الإقتصادية والإستثمارية والعمرانية والخدمية، وماتزال تعتمد بالدرجة الأساس على الدعم الجماهيري، الذي كان الأساس في انتصار ثورة ايلول العظيمة، والإستمرار في المسيرة لتحقيق الأهداف التي رسمها الحزب الديمقراطي الكوردستاني وقائده ومؤسسه البارزاني الخالد.