هيام حاجي احمد
شهدت العلاقات الدولية في العقد الأخير عودة واضحة لسياسات الاستعراض السياسي والعسكري كأداة لإدارة الصراع وإعادة تشكيل موازين القوى. ففي قمة ألاسكا بين الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، تحولت المصافحة الطويلة ولغة الجسد إلى رمز يعكس هشاشة التوازن الدولي.
وقد وصفت واشنطن بوست هذا اللقاء في 16 آب 2025 تحت عنوان (روسيا ترى النصر مع تبنّي ترامب نهج بوتين لإنهاء حرب أوكرانيا) بأنه نصر رمزي لموسكو يعكس قدرة بوتين على استثمار الرمزية السياسية لصالحه، حتى قبل النتائج العملية للمحادثات. ولم يكن غريبًا أن يرافق اللقاء تحليق الطائرات الأميركية في أجواء ألاسكا في استعراض عسكري يهدف إلى تأكيد أن واشنطن ما زالت قادرة على فرض حضورها من خلال الصورة بقدر ما تفعل عبر السلاح.
هذا النهج لم يقتصر على الولايات المتحدة، بل وجد صداه في شرق آسيا. ففي كوريا الجنوبية، لجأ الرئيس لي جاي-ميونغ إلى مظاهر بروتوكولية وخطابات جريئة أبرزها تصريحه في تموز 2025 بأن ((الدور الجريء والاستباقي للمالية الوطنية هو الأهم اليوم)). وقد رأت نيويورك تايمز في ذلك محاولة رمزية لتعويض هشاشة اقتصادية داخلية وإرسال رسائل خارجية في آن واحد.
وعلى المستوى الدولي الأوسع، وظفت الصين وروسيا الاستعراض بطريقة مزدوجة لإعادة صياغة موازين القوى. ففي بكين، رافقت اللقاءات الرسمية عروض عسكرية وثقافية تهدف إلى إظهار السيطرة على البر والبحر والجو، بينما لجأت موسكو إلى الاقتصاد والطاقة كوسيلة استراتيجية حين وقّعت في أيلول 2025 مشروع خط الغاز (قوة سيبيريا).
وقد اعتبرت وول ستريت جورنال هذا المشروع بمثابة (مسرح جيوسياسي) يعكس تحديًا للعقوبات الغربية أكثر من كونه اتفاقًا اقتصاديًا بحتًا. وفي السياق ذاته، كتبت فايننشال تايمز أن الشراكة الصينية–الروسية باتت تُوصف بـ(حلف التنين والدب) يُنظر إليه كتهديد لاستقرار النظام الدولي وتعبير عن رؤية متعددة الأقطاب.
أما الغارديان فقد وصفت العرض العسكري الصيني الأخير بأنه (عرض استثنائي يعيد تعريف شكل النظام العالمي) بحضور قادة من روسيا وإيران وكوريا الشمالية، مؤكدة أن هذه المشاهد ليست مجرد رمزية بل خطوة لإعادة تشكيل النظام الدولي بعيدًا عن الهيمنة الأميركية. وفي قمة منظمة شنغهاي للتعاون، علّقت تايمز أوف إنديا أن صورة المصافحة بين قادة الصين وروسيا والهند بدت كرمز على (فجر نظام عالمي جديد) قد يشكّل تحديًا مباشرًا لوحدة الغرب.
في المقابل، تعامل الغرب مع هذه الرسائل باعتبارها تهديدًا مباشرًا. ففي قمة الناتو بواشنطن في تموز 2024، وُصفت الصين بأنها (المُمكّن الحاسم) لروسيا في حربها ضد أوكرانيا، وهو توصيف أعادت واشنطن بوست نشره باعتباره اعترافًا بأن التحالفات الرمزية تحولت إلى أدوات عملية تعزز استمرار الحرب. وقد ردّت الولايات المتحدة وحلفاؤها عبر فرض عقوبات واسعة على مئات الكيانات الصينية، ما حول المواجهة إلى صراع مركّب: عسكري واقتصادي، يوازيه استعراض دبلوماسي وإعلامي يذكّر بأجواء الحرب الباردة ولكن بوسائل أكثر نعومة ومرونة.
وفي قلب هذه التحولات يقف العراق وإقليم كوردستان أمام ضغوط متزايدة. فقد أثّر تدفق النفط الرخيص إلى الأسواق الآسيوية على موقع العراق التنافسي، فيما أثارت اتفاقيات (النفط مقابل الإعمار) نقاشًا داخليًا حول جدواها. أما الإقليم، فقد واجه أزمة عميقة بعد توقف أنبوب جيهان في آذار 2023 تنفيذًا لحكم محكمة التحكيم الدولية، وهو ما زاد من اعتماده على بغداد وأدخل أطرافًا خارجية في الحسابات.
وقد ذكرت نيويورك تايمز أن الأزمة أضعفت استقلالية الإقليم السياسية والمالية، بينما أشارت وول ستريت جورنال إلى أن بغداد وظفت هذه التطورات لتعزيز موقعها في التفاوض مع شركاء دوليين. أما واشنطن بوست فقد ربطت بين الضغوط الاقتصادية في كوردستان والتحولات الجيوسياسية الأوسع، معتبرة أن ما يبدو (نزاعًا تقنيًا حول أنبوب جيهان) ليس سوى واجهة لصراع أكبر.
فهذه التحالفات الكبرى – سواء الصينية–الروسية أو الغربية – قد تبدو بعيدة، لكنها تضغط بشكل غير مباشر على العراق والإقليم عبر ملف الطاقة والنفط. وهنا يظهر بوضوح أن العراق وكوردستان ليسا خارج المعادلة، بل جزء من خيوطها حتى لو لم يكن ذلك معلنًا، ما يجعل الأزمات الداخلية انعكاسًا لصراع دولي تُدار فيه التوازنات بالاقتصاد كما تُدار بالسياسة والاستعراض العسكري.