الفكر الاقتصادي الاسلامي والواقع المعاصر

د. مريم كاظم هادي

ما يذهب إليه البعض من إنكار وعدم الحاجة إلى الفكر الاقتصادي لأنه مع تسليمهم بأن القرآن الكريم والسنة النبوية يحتويان علي مجموعة كبيرة من القيم الأخلاقية في مجال الاقتصاد، فإن طبيعة علم الاقتصاد المعاصر تقوم علي الموضوعية التي تعني فصل الأحكام القيمية عن الاقتصاد، إلى جانب أن الاقتصاد المعاصر كاف وحده لحل المشكلات المعاصرة بكفاءة دون حاجة إلي فكر آخر.

هذا إلي جانب أن ما ورد في التراث العلمي للمسلمين من أفكار اقتصادية لا يصلح الآن لمواجهة المشكلات المعاصرة، وأن تاريخ الفكر الاقتصادي الإسلامي مع اعترافهم بوجوده وسبقه فإنه توقف وحل محله الفكر التقليدي، أنه توجد علاقة وثيقة بين الفكر والواقع كما أوضح ذلك عالم الاقتصاد الشهير كينز.

وإذا كانت اقتصاديات البلاد الإسلامية الآن في أغلبها لا ترتبط بالدين ممارسة أو مؤسسات! نما تسير على أساس من الفكر الغربي ومحاكاة للنظم الاقتصادية بها من رأسمالية واشتراكية، فكيف يمكن وجود فكر اقتصادي إسلامي وهذا ما نحاول أن نرد عليه لتظهر ضرورة وجود الفكر الاقتصادي الإسلامي وأنه موجود بالفعل في واقعنا المعاصر وله إنجازات عديدة و ضرورة.

وجود الفكر الاقتصادي الإسلامي تنبثق هذه الضرورة من عدة أسباب، أهمها إن المشكلة الاقتصادية الأساسية التي يعمل الفكر الاقتصادي علي حلها هي كيفية التوفيق بين الموارد المحدودة والحاجات المتعددة، والرأسمالية خلصت إلي أن الآلية التي تحقق ذلك هي أسعار السوق، فالأفراد أحرار في تحديد ما ينتجون كما ونوعا لتحقيق أقصي ربح ممكن في ضوء ما تسمح به أسعار السوق، وأحرار فيما يستهلكون كمأ ونوعا في حدود ما تسمح به قدراتهم علي حسب أسعار السوق.

والشيوعية بدلت آلية السوق بتدخل الدولة لتحديد ماذا ينتج وبأي كمية وبأي سعر ولمن ينتج وكلا النظامين أدي إلي مشكلات عديدة، الأمر الذي يتطلب إدخال آلية أخري لضمان الاستفادة المثلي من الموارد المتاحة في المجتمع وبأن تؤدي هذه الآلية إلي ترشيد السلوك الاقتصادي للناس بالمحافظة علي الموارد وتوجيهها للإشباع المفيد للمجتمع في عدالة وتوازن.

وهذه الآلية لا يمكن أن تستمد من سلوك الناس الواقعي كما يعبر عنه جهاز الأسعار في السوق من حيث العرض والطلب بل لابد من آلية تبدأ من ترشيد رغبات الناس غير المحدودة وقصرها علي ما يفيد الإنسان والكون وفي حدود الاعتدال والقوامة، ثم آلية لا تسمح باستخدام الموارد في المظاهر والترف أو تبديدها، وآلية أخري لحسن توزيع الموارد علي أبناء المجتمع وهنا لابد من قيم ومثل أخلاقية تضبط سلوك الناس تجاه الموارد.

وكما يقول بعض المؤرخين بعد دراستهم الواسعة والمتعمقة لمختلف الحضارات أنه “لا يوجد مثال يعتد به في التاريخ السابق لعصرنا لمجتمع نجح في المحافظة على الحياة الأخلاقية بدون مساعدة الدين وهكذا يظهر أنه لابد للاقتصاد من الدين الأمر الذي يؤكد ضرورة وجود الفكر الاقتصادي الإسلامي.

إن أحكام الدين الإسلامي وتوجيهاته في مجال الاقتصاد ترد على أنها أحكام لازمة وأن مخالفتها تعد مخالفة للدين ونقصا لإسلام المسلم يقتضي التوبة بالرجوع عن السلوك الاقتصادي المخالف للشريعة، وبالتالي فإنه من الضروري على المسلمين اتباع أحكام الدين في الاقتصاد، والفكر الاقتصادي يعمل على شرح وتفسير هذه الأحكام باعتبارها المتغير المؤثر الذي يضبط سلوك المسلم.

قد يعجبك ايضا