د. نزار الربيعي
يتحقق من خلال الحقوق والواجبات باعتبارهما وجهين لعملة واحدة لأن الحقوق من دون أن تقيد بالواجبات سيصبح الفرد غير مرتبط بالآخرين وقد يعرف حقوقه ولا يعرف حقوق الآخرين عليه وبذلك يصبح انفرادياً في تعامله قاصراً عن أداء واجباته.
وقد حرص الإسلام على تطبيق مبدأ الحرية في هذه الحدود وبهذه المناهج في مختلف شؤون الحياة، وأخذ به في جميع النواحي التي تقتضي كرامة الفرد وأن يأخذ به في شؤونها وهي النواحي المدنية والدينية ونواحي التفكير والتعبير، ونواحي السياسة والحكم حتى وصل به في كل النواحي إلى شأن رفيع لم تصل إلى مثله شريعة أخرى من شرائع العالم.
والحرية في الإسلام لا تعني الفوضى وارتكاب الموبقات والمنكرات باسم الحرية واستباحة محارم الله تعالى والانغماس في الشهوات المحرمة فالحرية التي تبيح هذه المحظورات هي فوضى، وتصور خاطئ للحرية، وقد صحح الإسلام هذا التصور الخاطئ وقرر حرية الناس منذ ولادتهم، وأنه لا يجوز استعبادهم كما لا يجوز تقييد حرياتهم، وكل حق لهم، يقابله واجب عليهم ليكون هناك توازن في الحياة والتعايش مع الآخرين
لذلك قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ((مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فآذوهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم هلكوا وهلك الناس جميعهم وإن منعوهم نجو ونجى الناس جميعاً)).
وهكذا حياة الناس على سطح الأرض كركاب السفينة تحمل هذه الأرض البر والفاجر، والصالح والطالح والمحسن والمسيء كالذين يسيئون للآخرين بما فيهم أنبياء الله -تعالى- ورسله بحيث يرسمونهم في صور لا تليق بمقامهم الذي يستحق الاحترام والتقدير والتقديس، فإن تُرك هؤلاء المسيئين يمرحون ويفعلون ما يحلو لهم وما يشاءون، دون الأخذ بأيديهم وكفها عن اقتراف الموبقات والآثام وهي سبب عظيم من أسباب الهلاك للجميع نتيجة لاختلال التوازن في مطالب الحياة هلكوا وهلك الجميع، وإن أخذ على أيديهم نجو ونجى الناس جميعاً وحيوا حياة طيبة، ولاريب أن الأخذ بأيدي السفهاء وأطرهم على الحق أطرًا وتوجيههم لما ينفعهم في دينهم ودنياهم من أسباب النجاة والحياة الكريمة، وهذا هو توجيه الإسلام للحرية.
وقد عزز رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) في سنته المطهرة وسيرته العطرة مبدأ الحرية سواء في التفكير أم في التعبير أم في إعمال الرأي والاجتهاد في أمور الدين والدنيا، حرصاً منه على تكوين الشخصية المستقلة المتماسكة القوية لدى المسلم.