ممر البيشمركة في باريس تكريم رمزي لقوة تدافع عن الإنسانية

 شَمال آكرَيي

في مشهد مفعم بالرمزية والاعتزاز دُشّنت في باريس بحضور الرئيس والمرجع مسعود بارزاني و رئيسة بلدية باريس آن هيدالغو، مشروع “ممر البيشمركة” تخليدا لتضحيات قوات البيشمركة  الكوردية التي واجهت الإرهاب في أصعب الظروف.  حضور الرئيس مسعود بارزاني بنفسه المراسيم، وهو الذي يصر دائما على أنه قبل أي منصب سياسي يبقى بيشمركة يفتخر بالانتماء إلى هذه الهوية النضالية، لتصبح اللحظة أكثر عمقا إذ اجتمع رمز الحرية الباريسية مع رمز المقاومة الكوردية في صورة واحدة تلخص معنى الكرامة والدفاع عن القيم الإنسانية.

إطلاق اسم البيشمركة في قلب باريس على ممر في حديقة مشهورة لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي أو لفتة رمزية بل كان إعلانا صريحا من مدينة عُرفت بالحرية والثورة وحقوق الإنسان بأن دماء هؤلاء المقاتلين لم تُسفك دفاعا عن أرض كوردستان وحدها، بل عن العالم بأسره، فمنذ اجتياح تنظيم داعش مناطق واسعة عام 2014 وقف البيشمركة سدا منيعا وحموا مدنا كاملة من السقوط وأنقذوا الإيزيديين الكورد والمسيحيين والمكوّنات من الإبادة، ولم تكن معاركهم في سنجار وكركوك ونينوى وغيرها سوى جبهة متقدمة عن باريس وبرلين ولندن وغيرها، إذ كانوا يقاتلون الإرهاب هناك قبل أن يصل إلى شوارع أوروبا، فحملوا على عاتقهم مهمة الدفاع عن القيم المشتركة للإنسانية وعن السلام العالمي.

وحين ارتفع الستار عن اسم “ممر البيشمركة” بدت باريس وكأنها ترد التحية لمن صانوا شرف القيم التي تنادي بها، فهذا الممر لم يكن مجرد شارع جديد بل صار ذاكرة حية تُروى للأجيال بأن الحرية لا تُصان بالكلمات بل بالتضحيات، وأن أسماء من دافعوا عن السلام تستحق أن تُخلّد في قلب عاصمة النور، وقد منح حضور الرئيس مسعود بارزاني الحدث زخما استثنائيا لأنه لم يحضر بصفته زعيما سياسيا فحسب بل بصفته مقاتلا أبيّا يحمل سيرة نضال لا تنفصل عن اسم البيشمركة، فوقف بين مسؤولي المدينة كرمز للاعتزاز والشجاعة والوفاء للهوية.

إن العلاقات بين الكورد وفرنسا ليست وليدة اليوم، فقد تضامنت باريس مع الشعب الكوردي منذ عقود، وكان لها دور بارز في حماية إقليم كوردستان بعد الانتفاضة الشعبية في التسعينيات، كما ارتبط اسم السيدة دانييل ميتران التي لُقبت بـ”أم الكورد” بتاريخ طويل من الدعم والنضال إلى جانبهم، وحين اجتاح داعش المنطقة كانت فرنسا من أوائل الدول التي سارعت لتقديم الدعم العسكري والسياسي واللوجستي للبيشمركة إدراكا منها أن معركتهم هي معركة الحرية العالمية، واليوم يأتي “ممر البيشمركة” ليجسد هذه العلاقة العريقة ويضعها في إطار دائم من الذاكرة الحضرية الفرنسية.

 إن باريس التي طالما مثّلت منارة الحرية في العالم أهدت البيشمركة اليوم جزءا من قلبها لتقول إن التضحيات التي قُدمت في جبال كوردستان وسهولها لن تُنسى أبدا، وإن اسم البيشمركة لن يبقى مجرد كلمة في ذاكرة الكورد وحدهم بل سيبقى محفورا في وجدان الإنسانية جمعاء، ليذكر الجميع أن الحرية لا تُمنح وإنما تُنتزع، وأن السلام لا يصان إلا بدماء الشجعان الذين آمنوا بأن الدفاع عن الآخرين هو دفاع عن أنفسهم، وهكذا سيبقى اسم البيشمركة يتردد في شوارع باريس كما يتردد في قلوب من يؤمنون بأن الشجاعة والإخلاص للقيم السامية هما ما يصنع التاريخ ويمنح الشعوب معنى الخلود. وسيبقى “ممر البيشمركة” في باريس شاهداً صامتاً لكنه ناطق بالمعنى، فعندما يتوقف الباريسيون وزوار المدينة أمام لوحته ويعبرون خطواته سيستلمون رسالة حيّة تختصر تاريخا من التضحيات، وسيدركون أن البيشمركة لم يكونوا مجرد مقاتلين على حدود كردستان، بل حماة للقيم الإنسانية النبيلة وللسلام الذي تنشده البشرية جمعاء.

قد يعجبك ايضا