حسين موسى
عند العودة إلى صفحات التاريخ، نجد أنّ العلاقة بين الكورد والدولة العثمانية – ثم وريثتها الدولة التركية – كانت دائمًا محكومة بمنطق “الضمانات الشكلية” التي سرعان ما تتحول إلى محرقة سياسية وقومية ضد شعبنا.
من جالديران إلى زوال الإمارات الكوردية
في معركة جالديران عام 1514، استدعت الدولة العثمانية الإمارات الكوردية للوقوف إلى جانب السلطان سليم الأول في حربه ضد الدولة الصفوية. يومها لبّى خمسة عشر أميرًا كورديًا النداء، على أمل أن تكون تلك المشاركة مدخلًا لشراكة سياسية أو نوع من الحكم الذاتي. غير أنّ العثمانيين سرعان ما اتبعوا سياسة تقوم على إثارة الفتن الداخلية بين الإمارات الكوردية، حتى أضعفوها وزالت جميعها. لقد تحوّلت “الضمانات” العثمانية آنذاك إلى وسيلة تفكيك وإنهاك للإرادة الكوردية المستقلة.
كردستان ساحة صراع
على امتداد قرون، شكّلت كردستان ساحةً للصراع بين الصفويين والعثمانيين. لم يكن الكورد في تلك المرحلة أصحاب قرار مستقل بقدر ما كانوا ضحايا للتجاذبات بين قوتين إقليميتين. وكلما اشتد الصراع، استُدعي الكورد للقتال إلى جانب أحد الأطراف، مقابل وعود سرعان ما تبخرت.
وعود سيفر وخيبة لوزان
بعد الحرب العالمية الأولى، بدا أن لحظة تاريخية قد اقتربت مع معاهدة سيفر عام 1920، التي تضمنت بندًا يمنح الكورد حكمًا ذاتيًا قد يتطور إلى الاستقلال. لكن صعود مصطفى كمال أتاتورك وإعلان الجمهورية التركية عام 1923 قلب الموازين، حيث ألغت معاهدة لوزان تلك الوعود، وحوّلت تركيا من دولة ذات طابع إسلامي إلى دولة قومية علمانية أنكرت وجود الكورد وحقوقهم. هكذا تلاشت الآمال، وتحولت الوعود إلى بداية مرحلة جديدة من التهميش والاضطهاد.
استغلال الكورد باسم “الجهاد”
خلال الحرب العالمية الأولى، جرى استغلال الكورد باسم “الجهاد” إلى جانب العثمانيين في مواجهة القوى الأوروبية، وهو ما خلق حالة من التوتر في العلاقات بين الكورد والأوروبيين. وقد دفع الكورد ثمن ذلك لاحقًا، حيث نُظر إليهم كأتباع للأتراك، بينما الحقيقة أنهم كانوا مجرد أدوات في صراع أكبر منهم. وها نحن اليوم ندفع ثمن تلك الحسابات الخاطئة.
ضمانات مشكوك فيها مع حزب العمال الكوردستاني
في الفترة الأخيرة، طرحت تركيا نفسها “ضامنة” حتى في ملف الصراع مع حزب العمال الكوردستاني. فرغم الحديث المتكرر عن “عملية السلام” ووعود الحل السلمي، إلا أن تلك الضمانات بقيت موضع شك، إذ لم تتجاوز كونها مناورة سياسية مؤقتة لشراء الوقت داخليًا وكسب أوراق إقليمية ودولية.
تركيا اليوم… بين ملاذكرد وحلم الزعامة
اليوم، تعود تركيا لتستحضر رمزية معركة ملاذكرد 1071 في خطابها، محاولة ربط نفسها بتاريخ من “الانتصارات الإسلامية”. لكنها في الواقع تسعى إلى كسب دعم إسرائيل والولايات المتحدة، وإلى إسكات الأصوات المعارضة في الداخل. وفي الوقت نفسه تطرح نفسها “دولة ضامنة” للقضية الكوردية، في تكرار ساخر لتاريخ طويل من الضمانات الكاذبة.
الخلاصة: محرقة أم فرصة جديدة؟
يبقى السؤال: هل نحن أمام محرقة جديدة لشعبنا تعيد إنتاج مأساة القرون الماضية؟ أم أن تركيا بدأت تدرك أن استقرار المنطقة لن يتحقق إلا من خلال الكورد ككيان مستقل وفاعل، لا كأداة بيد هذه الدولة أو تلك؟
إن التجارب التاريخية – من جالديران إلى لوزان، ومن وعود “الجهاد” إلى عملية السلام – تدعونا للحذر الشديد. فكلما قُدمت لنا “ضمانات” من أنقرة، كانت نتيجتها خسارة أكبر لشعبنا. ولعل الدرس الأهم هو أن الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع بوعي قومي وتنظيم سياسي متماسك، بعيدًا عن أوهام الضمانات التي لم تكن يومًا سوى واجهة لمحرقة جديدة.