سوريا… كلٌّ في مركبه، والوطن يسع الجميع

حسين موسى

لكن لماذا يخاف الشرق الأوسط من الفيدرالية؟ تلك الذهنية الإيرانية والتركية والعربية التي اغتصبت كوردستان ما زالت ترى في الفيدرالية خطرًا على سلطتها، في حين أن هذا النموذج السياسي أثبت قدرته على خدمة البشرية في جميع المجالات: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

أفضل مثال على ذلك تجربة سويسرا عام 1848، حين خرجت من حروب أهلية طاحنة بين الكانتونات الكاثوليكية والبروتستانتية، لتشكل اتحادًا فيدراليًا يضم 26 إقليمًا (كانتونًا)، لكل واحد منها حكومته وبرلمانه ونظامه المحلي، بينما تربطها جميعًا حكومة اتحادية مركزية محدودة الصلاحيات. ورغم أن مساحة سويسرا لا تتجاوز 41,285 كم²، فقد نجحت في إدارة أربع لغات رسمية (الألمانية، الفرنسية، الإيطالية، والرومانشية) وأديان وثقافات متعددة، حتى أصبحت نموذجًا عالميًا للاستقرار والازدهار.

وإذا انتقلنا إلى منطقتنا، نجد الإمارات العربية المتحدة مثالًا حيًا على إمكانية نجاح الفيدرالية في الشرق الأوسط. فقد تأسست عام 1971 باتحاد سبع إمارات، لكل إمارة حكومتها المحلية، بينما تتولى الحكومة الاتحادية شؤون الدفاع والخارجية والسياسات العامة. ورغم أن مساحة الإمارات تبلغ حوالي 83,600 كم² فقط (أكبر من سويسرا بنحو الضعف)، إلا أنها استطاعت من خلال هذا النظام أن تحقق استقرارًا سياسيًا ونموًا اقتصاديًا هائلًا، حتى تحولت إلى واحدة من أكثر الدول تقدمًا في المنطقة.

نحن في الشرق الأوسط لا نطمح إلى أن نكون نسخة مطابقة من سويسرا أو الإمارات، لكن يمكن أن نستلهم من تجاربهما ونطبق جزءًا منها بما يتناسب مع واقعنا. الفيدرالية ليست تقسيمًا، بل هي توزيع عادل للسلطات والثروات، يتيح لكل مكوّن أن يعيش بكرامة ويمارس هويته وثقافته بحرية، بينما يظل الوطن جامعًا لهم جميعًا.

دع كل سفينة تبحر في جغرافيتها الخاصة، وتبني قوتها وازدهارها. الكورد في مركبهم، يبحرون في ربوع وطنهم، يصنعون الاستقرار ويضيفون قوة إلى الشرق الأوسط. وكذلك يمكن أن يكون للعرب، والعلويين، والدروز، والسنة وغيرهم مساحاتهم ضمن نظام يضمن الحقوق والواجبات للجميع.

أما إذا بقيت العقلية السائدة عقلية “حزب واحد، حكومة واحدة، تاريخ واحد”، فإن البلاد ستنزلق لا محالة إلى حروب أهلية جديدة. لقد دخل العالم مرحلة التنوع الثقافي والاعتراف بالتعددية داخل الدولة الواحدة، ومن يصرّ على إقصاء هذا التنوع إنما يحكم على وطنه بالدمار، بدل أن يحوّله إلى نموذج للأمن والاطمئنان والاستقرار.

قد يعجبك ايضا