غدير ربحي الزبون
صوتٌ مباشر، نداءٌ إلى الحياة، وربما عتابٌ أو رجاء، فاستخدام أسلوب الخطاب (النداء) يشير إلى اشتباك داخلي، وربما احتجاج وجداني ضد خذلان الحياة بعد الحنين والوجع، ويأتي هذا الفصل كصرخة أو محاولة لفهم ما لا يُفهم، حيث يعكس مرحلة مواجهة الذات، كما أنّ “الحياة” المؤنثة تُخاطب بوصفها أنثى معقدة، جميلة، قاسية، وخادعة، ولربما هو فصل التحوّل من التأمل إلى الفعل، أو من الحنين إلى الرغبة في النجاة.
الفصل الخامس: “طين البلاد“.
عودة إلى الجذور وإلى “جذور الحنين”. فالطين هو المادة الأولى للخلق، للأرض، وللإنسان. هذا الفصل خاتمة ترابية، تحيل إلى الولادة، والدفن، والبعث، فكأنّ كلّ ما سبق لم يكن إلا سعيًا إلى هذا الطين، إلى الانتماء الأصلي غير القابل للخلع، فالطين دلالة على الأصالة، العُمق، والعودة، أما البلاد فليست وطنًا جغرافيًا فحسب، بل ذاكرة جسدية في العظم والعرق.
هذا الختام الترابي يلتحم مع البداية، فالفقد الأول في “لا تأتي إلا مرة واحدة” يعود إلى الطين ليجد خلاصه.
إنّ رواية “جذور الحنين” تتوزع بفصولها الخمسة على مدارات الحنين، من اللحظة الفارقة إلى المكان الموشوم بالذاكرة، إلى الحضور الأنثوي المجسد، إلى النداء الصارخ للحياة، وأخيرًا إلى الطين ذلك الذي لا يخون.
فالبنية الرمزية للعناوين تُشكّل قوسًا سرديًا متكاملًا من الحنين إلى المصالحة، ما يقودنا إلى أنْ نجد عملقة وتميّز أدبي لدى محمد النبالي في أسلوب التسمية لعناوينه الرئيسة والفرعية فهو شعري، مشبع بالعاطفة والرمزية، يذكّرنا بلغة جبرا إبراهيم جبرا وغسان كنفاني ودرويش ورضوى عاشور في سردياتهم المكثفة بالمعنى.
فنتلمّس حضور كنفاني في خلفية الألم، ودرويش في الجملة الشاعرة، ورضوى عاشور في البنية النسوية غير المعلنة، كما يحضر جبرا وتحضر الأسطورة، والدين، والتاريخ، كحقول دلالية متداخلة.
البنية السردية: تشظٍ متماسك.
الرواية مبنية على سرد غير خطي، حيث تتنقّل بين الأزمنة بلا جمود، وتحرّك الذاكرة كأنها نهر يفيض كلما جفّ ظمأ الحكاية.
تتنقّل “جذور الحنين” بين الماضي والحاضر، الحلم والواقع، التذكر والنسيان، كأنها تمشي على درب متعرّج من ضوء وظل، فتغمر القارئ في خضمّ المشاعر والتفاصيل الصغيرة التي تُراكم المعنى ببطء، تمامًا كما تتجذّر شجرة الحنين في تربة الذاكرة.
وتوظيف الاسترجاع الزمني (Flashbacks) ليس مجرّد تقنية، بل أداة لاكتشاف الذات، ف”يوسف” لا يحكي ماضيه ليُؤرّخ، بل ليستردّ ما سُرق منه: بيته، أمه، حبيبته، أمكنته، ولغته، وهنا تظهر براعة النباليفي ربط الزمن بالسرد، والحنين بالتأريخ، فكل استرجاع هو محاولة لشفاء جرح، وكل تذكّر هو مقاومة للنسيان.
كما تتنقّل الرواية بين الماضي (النكبة، الطفولة، الحرمان)، والحاضر (البحث عن مشروع حياة، بناء مقهى، مواجهة الفقر)، والمستقبل (مشروط بالحلم)، ولا يُقدَّم الزمن كبعد مادي، بل ككائن حي يفتح جراحه على مهل.
ف”يوسف” ليس بطلًا نمطيًا، بل شخصية متشظيةتملك سمات البطل التراجيدي الذي يعاني؛ لكنّه ينهض. هو شاب فقير ترك الجامعة ليرعى عائلته، لكنّه أسس مقهى وجعل منه وطنًا يحمل مفتاحين: الأول بيت العائلة الذي هُجّر منه، والثاني باب الحلم الجديد المتمثّل في مقهاه. إنه شبيه بيوسف النبي غريب، صابر، مُتّهم، لكنه نافذ بالبصيرة.
و”يارا” ليست فقط فتاة، إنها المعادل الأنثوي لفلسطين بملامحها الريفية، وحديثها الدافئ، ووجودها الذي يوقظ الذكرى. إنها الحبيبة المؤجلة، والوطن الغائب، فلقاءاتهما تحت شجرة الصفصاف تتجاوز العاطفة إلى مستوى الطقس المقدّس.
الشجرة العظيمة: غرفة الأسرار.
أمّا شجرة الصفصاف فهي كائن حيٌّ ينطق بالذاكرة ترتبط باللقاءات، بالبكاء الصامت، بالبوح، بالتطهير. تتجاوز وظيفتها النباتية لتصبح شجرة كونية تشبه شجرة بوذا وشجرة التين في ملحمة جلجامش. إنها مركز روحي في الرواية، ترمز إلى الحماية، التماسك، والاحتماء بالأم الكبرى – الأرض.
الحاج مصطفى وخديجة: الأبوان الرمزيان.
الأب يمثل الجرح التاريخي الصامت، ذاكرة النكبة، العزّة المقموعة. لا يتكلم كثيرًا لكنه يشكّل ضمير النص، أما خديجة، فهي الأم/الأرض، حضن الذاكرة، فوجودها لا يُقاس بالكلمات بل بالحضور في تفاصيل الطعام، في فنجان الشاي، وفي نظرة لا تنسى.
المقهى: وطنٌ ناعم مقاوم.
هو ليس مكانًا اقتصاديًا إنّه مشروع هوية، وردّ ناعم على المنفى، وساحة مقاومة لا تحتاج سلاحًا، بل حكاية امتداد الذاكرة في المكان حيث القصص، الموسيقى، الضحك والدمع.
هناك، تُروى القصص، تُبنى العلاقات، تُسقى الذكريات، وتُستعاد فلسطين على نار هادئة من الشاي والزعتر، وصوت فيروز وأم كلثوم.
هذا المقهى هو مشروع رمزي يُعلن أن الفلسطيني لا يطلب فقط العودة، بل يصنعها حيثما كان.
إنّه المكان الذي يُخلق فيه الوطن الجديد، بشروط الروح لا الجغرافيا.
اللغة: بين الشاعرية والواقعية.
لغة الرواية مشغولة بعناية لا تزخرف فيها، تتنفس وتنبض فكل وصف يُنحت من الجلد، وكل حوار مشحون بالإيحاء، فلا تجد زيفًا بل حرارة فيها ما فيها من نَفَس محمود درويش، وغسان كنفاني، ومن الكتابات الحديثة التي تراهن على جمال اللغة دون أن تفقد الواقع.
فلغة النبالي تستحق وقفة طويلة، فهي شاعرية دون ابتذال، رمزية دون غموض، حسّية دون تهتك. كل جملة مشغولة كأنها قطعة نثر شعري، وكل مشهد ينطوي على استعارة، وكل تفصيل يُحيل إلى باطن أعمق.
فالكاتب يمتاز بقدرته على المزج بين اللغة اليومية ولغة الحلم، بين بساطة الحوار وتعقيد الصورة، فيجعل القارئ يتحرّك بين الشعور والفكر، بين الجمال والوجع، دون أن يشعر بانقطاع في النبرة أو تسطيح في المعنى.
البنية: الرمزيّة والنفسية.
المفتاح: رمز للهوية والحق، والشرفة: مرآة خارجية/داخلية، والصفصاف: الأمان والعبور والوطن، أمّا المقهى: بيت جديد، والشاي: دفء الأم وروتين الوطن.
نجد أنّ الرواية تُقارب مفاهيم التحوّل، والفقد، والهوية من زاوية نفسية، ف”يوسف” هو الأنا التي تصطدم بالحرمان وتُعيد تشكيل الذات، والحنين ليس حالة عاطفية بل هو جذر نفسي عميق، أما فلسفيًا فهي رواية عن المنفى الداخلي، وعن كيف نصنع وطناً من خيباتنا؟
الجماليات: البصرية والحسية.
الوصف مشهدي، حسي، يلامس الجلد، فعندما تقرأ “جذور الحنين” تشمّ رائحة القهوة، وتسمع ضحكة خديجة، وترى عيني يارا، فهناك اشتغال بصري عالي يجعل الرواية أقرب إلى عمل سينمائي منضبط.
النهاية المفتوحة: سؤال البقاء.
ينتهي النص بلقاء لم يُحسم. لقاء يوسف ويارا تحت الصفصاف لا يجيب بل يسأل. هل نعود فعلًا؟ أم نبقى معلّقين بين جذور الحنين وأغصان الفقد؟
هي رواية لا تنتهي عند السطر الأخير، ف”جذور الحنين” وثيقة شعورية عن الإنسان الفلسطيني، فيها من النضج ما يجعلها تُدرّس، ومن الحنان ما يجعلها تُحتضن، وتصلح أن تكون مرآة لجيلٍ يبحث عن وطن لا في الخارطة بل في المقهى، في الصفصاف، في الحنين.
ليست “جذور الحنين” رواية تقليدية تُروى من صفحة إلى صفحة، وإنما هي حالة وجدانية وفكرية تتخلّل القارئ كما يتسلل الضوء عبر شقوق الجدران القديمة، فمن العنوان ندخل في حقل لغوي مفعم بالدلالات، حيث يتّحد الجذر بالأصل، والحنين بالمآل.
إنّ ما كتبه محمد خالد النبالي في هذا العمل لا يقتصر الحديث على الشخصيات الفلسطينية، ففلسطين تحكي عن نفسها، وتعبر عن ذاتها من خلال شخصياتٍ تسكننا كما نسكنها.
كما ينزاح القارئ عن السرديات المباشرة، ويجد نفسه أمام نصّ يكتبه كاتب يمتلك حسًّا شعريًا فذًا، يمزج بين الواقعي والرمزي، بين الحسي والتأملي، بين اليومي والأسطوري.
فالنبالي لا يعرض قصة يوسف ويارا فحسب، وإنما يطرح سؤال الوجود الفلسطيني المُتجذر في ذاكرة النكبة، والمنفيّ في حنين لا يعرف مستقرًا.
إنّ “جذور الحنين” وثيقة جمالية عن البقاء رغم الفقد، وكتابٌ في الحب وفي الوطن، وفي معنى أنْ تُحرم من الحلم، لكنْ لا تحرم من الكرامة.
لقد نجح محمد النبالي في أن يُقدّم صوتًا هادئًا، شجريًا، لكنه عميق، فروايته تُشبه جذور الزيتون لا تراها، لكنها تحمل الشجرة كلها.
“جذور الحنين” رواية ناضجة تكتب الفلسطيني والإنسان في آنٍ معًا بأسلوب شعري سردي، وبحساسية عالية، يتمكن محمد خالد النبالي من أن يجعل من التفاصيل الصغيرة وطنًا. الرواية تشبه فسيفساء: كلّ فصل فيها لبنة، وكل لبنة تنبض بالحقيقة.
“جذور الحنين” احتشاد للروح، ودعوة إلى ألاّ ننسى من نكون، فكلّ من يقرأها سيجد جذوره تنبت من جديد في أرضٍ كانت دومًا تُدعى “فلسطين”، وستبقى تسمّى فلسطين.