رواية «مطر خلف القضبان» مرور القارئ عبر ثنايا النّصّ

الهادي عرجون

لم أكن أدري وأنا أطل خلف قضبان ميرنا شويري من خلال روايتها «مطر خلف القضبان» أن أتعاطف مع شخصياتها، حينما تصبح البطلة كالممحاة تمحو بعض المآسي لتشعر أن جزءا من حياتها قد انقضى ونقص، فقد ولدت في المكان الخطأ والزمن الخطأ لذلك تدفع الثمن باهظا وتدخل في سبات عميق من الأحزان لا ينتهي،وأنا أمسك بقلمي لأخط ما تقاطر من حزنها،فقد تعددت القضايا التي تطرحها الرواية حيث برزت النزعة الإنسانية بصورة جلية، فتجربة أدب السجون من أقسى التجارب التي يمكن أن يمر بها الانسان، فمن عتبة السجن يولد الأدب من رحم المعاناة والألم والظلم خلف القضبان الحديدية، فأدب السجون يتميز بحيوية الانفعال، وصدق التجارب، وهو الذي يكتب في أجواء من الأمل والألم وفي ظل المعاناة والصبر، فإذا بالكاتبةعلى الرغم مما تحمله روايتها من وجع قاس، وتوق إلى الاستقرار وسكينة الروح، وهو ما يجعل من الزمن بطيئا ثقل الواقع الذي تعيشه وما يعكسه هذا الواقع من ألم وتمزق وحنين.

في البداية يمكن أن ننطلق من العنوان (مطر خلف القضبان)، والذي وضع نصب عيني أفكار مسبقة لمحتوى الرواية بأحداثها وشخصياتها قبل قراءتها، ولكن العنوان في الغالب يكون حمال أوجه ومتناقضات عدة، وقد تكون عتبات النص مدخلا ابستيمولوجيا آمنا لعوالم الرواية وتحولاتها المثيرة من حيث علاقته بالبنية السردية للرواية، وما يحمله من دلالات يمكن أن تكون مرآة عاكسة لمضمون الرواية، فـ”العنوان يُعد في أي خطاب إبداعي دلالة سیمیائية محورية”(1). حيث يعد اختيار العنوان من الأفكار والمشاغل التي تتبادر إلى ذهن الكاتبة وأخذت حیزًا من فكرها، لتكون ملخص الفكرة الرئيسية التي ترنو إليها أو التي شغلت ذهنها؛ أي أنهاتكتب عن المُفَكر فیه.

الكاتبة في روايتها (مطر خلف القضبان) ترسم جغرافية مرور القارئ عبر ثنايا النّصّ وتخبر القارئ بمحتوى روايتها حين تضع مسارا له بقولها: “سأقدم بحثا عن وضع المرأة السجينة في لبنان وأحضر رواية أيضا عن هذا الموضوع” (ص11). وهي محملة بالإرث الثقافي في شكل علامات مرجعية ورموز نصية وسيميائية، تستوجب من المتلقي أثناء التعامل معها أن ينطلق من خلفية معرفية مزودة بمعلومات مسبقة عن وضعية السجينات لتحقيق اتساق النص وانسجامه مع الواقعي والمتخيل كما هو الحال أثناء التعامل مع روايات تاريخية التي تعتمد المزج بين سردية فنية تخييليه وبين التاريخ كمعطى واقعي معيش، فالكاتبة قامت بجهد خارق في البحث والتوثيق والاطّلاع على كلّ ما يتعلّق بموضوع روايتها.

حيث اتجهت من خلال هذه الرواية الي الحديث عن حياة السجينات الجنائيات، واضطهادهن بالسجون وخارج السجون، وحقوقهن الإنسانية، عبر قصص مشوقة عن مجموعة من السجينات ومصائرهن من جوانب مختلفة ومتنوعة، والتي تشتبك حياتهن بما فيها من قصص وحكايات مع حياة ميشاالفتاة الجميلة المثقفة التي تتعرض لعملية احتيال من عمها، والتي يتم سجنها على خلفية تحرير شيكات من دون رصيد. لتتعرض داخل سجن النساء لشتى الصعوبات والمضايقات، وصولًا إلى تهديدها بالاغتصاب من قبل السجينة أم أمجد، لتجد نفسها في واقع غير الذي عاشت به، كل ما فيه متغير مع انقلاب المفاهيم والعادات والتقاليد والأخلاق فهي شخصية رأت غربتها في الحياة وكشفت قناعها لتتكشف أقنعة أخرى كانت تدور حولها.

في حين تشكل بعض الشرائح من المجتمع اللبناني خلفية للأحداث، والمعايشة النفسية لشخصياتها عبر تصوير الواقع الاجتماعي ونقده، مع إقحام بعض من آراءها للتعبير عنها بعفويته ينزاح إلى ضرب من التحليل النفسي لشخصياتها التي تبدو شخصيات مركبة بثت خواطرها وأفكارها بأدوات فنية جمعت بين أحداث واقعية وبين المذكرات والحكايات السير ذاتية.

لتتمكن الكاتبة بعمقها النفسي والفكري منتمريرخطابها الأدبي بنقدها للواقع وإضاءة نقاط مهمّشة لا يعرفها الكثير في حياة السجينات التي أقحمتها الروائية ميرنا شويريفي عالمها كشخصيات تدلي بتجربتها وسيرتها الكتابية مثقلة بالأسئلة، أسئلة الوجود ورغبات الفكر، أسئلة البحث عن الذات.

فكانت لعبة الأقنعة هذه نوعا من الانعكاس الذاتي للكاتبة من أجل الإدلاء بمنظورات وتصورات تجاه شخصيات روايتها وقضاياها. فهي محاولة جريئة مختلفة عن السائد المألوف عن أدب السجون”انطلاقامن تجارب شخصيات سياسية كان نص السجن هو نصهم الوحيد، سجلوا فيه تجربتهم ثم مضوا إلى أشغالهم وتخصصاتهم الأخرى، وتشمل هذه الكتابات فضلا عن اليوميات والسير الذاتية والروايات والقصائد والمسرحيات، شهادات لا حصر لها ومقابلات وشذرات”(2)، ولكن في هذه الرواية تطل علينا الكاتبة ميرنا شويري بشخصية اجتماعية قل ما نجدها في أدب السجون كما أسلفنا ذكر ذلك فالشخصيات ( ماري)،التي تبدأ قصة حب جمعتها مع كيفن بألم حافظ على عذريتها، لأنه كان يود الارتباط بها، كونه من ثقافة تقليدية تهتم بهذا الجانب، لكن حين يزهد بها لإصابتها بالصمم، يحاول فضها فترفض ، بسبب إصابتها بالصمم، ولعل أهم بواعثها الفكرية الحقوقية، ومناصرة قضايا المرأة والمهمشات و(ميشا)، الشابة الجميلة المثقفة العصرية التي تعيش في بحبوحة ورفاهية تتعرض لعملية نصب من عمها، يتم سجنها لتحريرها شيكات من دون رصيد. تتعرض لشتى الصعوبات داخل سجن النساء، وصولًا إلى تهديدها بالاغتصاب من إحدى السجينات. وغيرها من الشخصيات كـ:( سميرة الأرملة الغنية/قمر، الفتاة السورية التي تم التغرير بها للعمل في الدعارة/أم ماجد، تجمعت فيها الشرور، تسيطر على كثيرات، وتغتصبهن/نهاد متهمة بالدعارة، قصتها مرتبطة بأبيها تاجر المخدرات/ رنا الصباغ سجينة مختلفة تستأنس بها ميشا وترتاح إليها/سجينة أثيوبية متهمة بالقتل، وكانت مخدومتها تعنفه/ سنية غريبة في حديثها عن الجنس، إلى درجة تقديس المتعة/ آية المريضة بالإيدز، التي اضطرت إلى العمل في الدعارة) التي تطل من نوافذ هذه الرواية تجسد شخصيات اجتماعية تتحرك في فلك المجتمع القاسي والعلاقات الاجتماعية بأشجانها وإحباطاتها، بالإضافة إلى مجتمع السجن الذي له لغة معينة وعلاقات غريبة أيضًا، ما بين العادي وغير العادي، من علاقات مثلية، واغتصاب، واستغلال الدرك للسجينات، خاصة خلال نقل السجينات إلى المحاكم، حيث تبيع إحداهن جسدها في مقابل وجبة طعام.

ليظهر تميز الكاتبة وتفردهامن خلال مقدرتها الواضحة على المزج ما بين الواقعي من ناحية،والمتخيلوالافتراضي من ناحية أخرى فهي تبحر بنا في مسارب نجهلها دليلنا فيها، غرابة الأحداث والشخوص التي تتأرجح بين واقع مألوف بأشجانه واحباطاته، وبين تخييل يتشحبثوب القلق والبحث عن الذات” أقول في نفسي: لعل كتابة أحزاني تشفيني، ولكن المريض يشفى، أما الميت فلا روح لديه. في خوفي وإحباطي لم أعد أملك إلا القلم، لعل كلماتي تشعرني ببعض من نبض الحياة، لكن عندما أقرأ كلماتي لا أرى على الورقة إلا نبض موتي”(ص21) وهذا ما جعل الرواية تتأسس على التنوع والتباين والفوضى والغموض.

قد يعجبك ايضا