ظاهرة الاقليات الدينية في المجتمع

الاستاذ الدكتور : نزار الربيعي

مفهوم الاقلية ليس مفهوما حقوقيا ,وانما هو مفهوم اجتماعي سياسي مما عمق اكثر الصعوبة التي يواجهها المرء عند دراسته للحماية الدولية لحقوق الاقليات ,فليس هناك حتى الان أي تعريف مقبول عموما في القانون الدولي للاقلية .لكن عدم وجود تعريف لن يؤثر طبعا على وجود الحماية الدولية لها, لان هناك جملة ضوابط اضحت محل اتفاق لدى الباحثين والمختصين ,ولعل التعريف الذي قدمه البروفيسور كابوتوري في دراسته الى لجنة حقوق الانسان بات ذات طابع عرفي ,بقوله ان الاقلية هي مجموعة من الاشخاص اقل عددا من اغلبية مواطني الدولة .وتكون في وضع غير مسيطر ,وتوفر لافرادها سمات اثنية او دينية او لغوية تختلف خصائصها عن بقية السكان وتبدي ولو بشكل مستتر شعور بالتضامن ,بغية الحفاظ على هويتها او ذاتيتها المميزة لها من ديانة وتقاليد ولغة وثقافة و موضوع الاقليات في بعض المجتمعات ومنها العربية او في البلدان النامية, كالعراق مثلا او على الاقل يفضل ان يكون من المسكوت عليه اذ لا تعتبر معالجة هذا الموضوع من النشاطات الفكرية البريئة .فهي غالبا ما تثير الريبة والشك لاسيما اذا كانت الاجواء السياسية غير اعتيادية لاننا لم نتعرض لمسالة الاقليات .كان من الطبيعي ان ياتي الاهتمام من قبل باحثين اجانب ,على الرغم من ان الوطن العربي شهد حروبا طائفية واثنية استمر خلالها الاقتتال لسنوات طويلة ,كما حدث في لبنان والسودان ,وهي امثلة لصراع ظاهر وعنيف ,لكن الكثير من الدول العربية يدور في داخلها صراع اقليات كامن وناعم لم ينفجر بعد ,ممكن ان يعبر عن نفسه باشكال اخرى في اية لحظة.كل هذا لم يجعل الاهتمام بمسالة الاقليات يحتل مكانة متقدمة في فكر الشرق اوسطي او المجال الاكاديمي او البحثي او حتى العمل السياسي المباشر و هكذا ينبغي فهم المعاني والمصطلحات المتشابهة او المتقاطعة التي تساعد في وادراك الظاهرة ,ثم تسعى الى الرصد التاريخي عن صلة الماضي في قيام حاضر وواقع الاقليات , فضلا عن تكوين النظرة والوعي بالاقليات .وهنا يمكن التساؤل حول المستقبل وتصور ممكنات المخرج ,ولقد اصبحنا لا نتحدث عن استشراف المستقبل لان الحاضر لا يجدنا بالحقائق الثابتة نسبيا ,فحالة الانتقال التي تعيشها مجتمعاتنا تجعلها مثل ابطال الرواية مفتوحة النهاية ,والحروب الاهلية ، دليل على ضعف التحليل والفهم للمشكلة والسبب في ذلك قد لا يرجع الى ضعف الوسائل العلمية او الفكرية .,ولكن الجراة والصدق هما العلة الحقيقية ,ان ربط موضوع الاقليات بقضايا الحرية يفسر كثيرا من القصور والسلبيات ,لان الحرية هنا تتوقف عند المطالبة بها للاقليات ,بل هي مطلوبة كوسيلة لدراسة ظاهرة الاقليات دون محاذير ورقابة خارجية وداخلية ,مع قضاياه ,ان الحرية تلح علينا بقوة لاسيما وان العالم المعاصر قد منحها اولويه قصوى مهما اختلفت الدوافع ,الا انها تاتي عندنا بعد هموم اخرى كثيرة ,ولم تضع شرطا ضمن اجندة عن حلول لتلك الهموم ,فالحرية وسيلة وغاية في حد ذاتها نستخدمها في فهم المشكلات برؤى واضحة وتجعلها هدفا واقعيا نواجه به اسباب وجود هذه القضايا المعقدة التي تعقد بالمجتمعات والاوطان و ظاهرة الاقليات ممكن ان تكون علمية وواقعية من خلال التسامح وقبول الاخر وتبني التعددية السياسية، والتكافؤية هو المدخل الصحيح لقيام دولة وطنية قوية يمكن ان تتجه نحو وحدة قومية شاملة ومستديمة ,لكن حين يشغل كل مجتمع من المجتمعات بازمة التعايش السلمي مع الاقليات نكون امام دول ومجتمعات فسيفسائية مبعثرة تنقصها القدرة او القوة الذاتية.ان ظاهرة الاقليات الدينية موجودة عند اغلب المجتمعات سواء كانت هذه المجتمعات في الشرق او الغرب ,وان ازمة التعايش بين اكثرية السكان واقلية السكان هي مثار جدل في الدول . اذا لابد من ايجاد حل عادل ومنصف لها عبر التسامح الديني وجعلها لغة التخاطب بين رجال الدين ورجال السياسة ومنابر الفكر بين مختلف الشرائح والاديان في المجتمع ,لان مسألة التعايش السلمي والاستقرار في الوطن هي ضرورية جدا ومهمة لتقدم الامم والشعوب

قد يعجبك ايضا