هشيار زيباري… قراءة جريئة في مفترق الطرق العراقي

د. ابراهيم احمد سمو

في لقاء جريء وحصري على قناة السومرية، برز السيد هشيار زيباري، أحد أعمدة الدبلوماسية الكوردية، ليطل على المشاهدين بهدوئه المعروف وثراء معلوماته، مسلحًا بأعصاب سياسية باردة وقدرة نادرة على إدارة الحوار. بدا وكأنه يمارس فنًا متقنًا في استخدام الإيحاءات؛ يوجه ضربات سياسية من طرف خفي حينًا، ويكسب ودّ الأطراف الأخرى حينًا آخر، دون أن يخلّ بتوازن العلاقات أو يتجاوز حدود الحكمة.

زيباري، الذي يُعرف برجل الشدائد، يعتمد دائمًا على المشورة قبل اتخاذ قراراته، فيبني موقفه على رؤية جماعية لا على ارتجال أو انفعال. وهو ما جعله ركيزة أساسية في مسار الدبلوماسية الكوردية، وصاحب ثقل سياسي كبير في إدارة الحوارات سواء داخل كوردستان أو في المحافل الدولية.

منذ بداية اللقاء، كان واضحًا أنه يرفض الأسلوب التقليدي في الحوارات التلفزيونية؛ لم يمنح الإعلامي الذي أجرى الحوار فرصة لجره إلى مناطق فرعية أو استفزازه بأسئلة جانبية، بل كان يقود دفة الحديث بدقة، حريصًا على إيصال الرسائل التي يريدها للجمهور مباشرة، وبدون التفاف أو غموض. تحدث بصراحة عن الوضع الداخلي، وعن التظاهرات والمسيرات الأخيرة التي شهدتها كوردستان، وشرح خلفياتها وأبعادها، لكنه في الوقت نفسه وجه أنظار المشاهدين إلى أن الكرة الآن في ملعب الحكومة الفيدرالية في بغداد.

كما تناول بذكاء شبكة العلاقات التي تربط العراق والعالم، مميزًا بين علاقاته الدولية والإقليمية، وملمحًا إلى أن توازن هذه العلاقات ليس خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة سياسية لضمان استقرار الدولة. ومن القضايا التي تطرق إليها بوضوح مسار إيران وخياراتها الحاسمة في المرحلة المقبلة، بين البقاء في إطار “بناء الدولة” أو الاستمرار في “تصدير الثورة”. وأشار إلى أن إيران تدرس الآن هذين الخيارين بجدية، مؤكدًا أن الغالبية الإقليمية والدولية تميل إلى خيار “إيران الدولة” لا “إيران الثورة”، لما يحمله من فرص أفضل للتعاون والاستقرار.

هذا الطرح جاء في وقته، خاصة وأن المتابعين للشأن السياسي يدركون أن المرحلة المقبلة ستفرض على طهران حسم موقفها. وبهذا، أوحى زيباري بأن على صناع القرار في الإقليم أن يقرأوا المتغيرات بدقة، وأن يحددوا مواقفهم وفقًا للمصلحة العامة، لا بناءً على رهانات مفتوحة أو وعود غير مضمونة.

وفي سياق آخر، تحدث عن طبيعة العلاقات بين الكورد والشيعة، موضحًا الفرق الجوهري بين العقيدة الدينية الراسخة التي نحترمها ونقدرها، وبين إدارة الدولة من قبل بعض الشخصيات التي تنتمي مذهبيًا إلى الشيعة ولكنها تمارس الحكم بأسلوب يختلف مع مبادئ الشراكة والدستور. فالدين، كما أوضح، ثابت عبر آلاف السنين، لكن السياسة مجال متغير، وتقييم الأداء السياسي حق مشروع للشركاء في الوطن.

وشدد على أن العمل المشترك بين بغداد وأربيل يجب أن يقوم على أسس الدستور والفيدرالية، فهما الإطار الضامن للتعاون، وأن الوضع الحالي يشهد تراجعًا في مستوى الرضا الكوردي عن أداء الحكومة المركزية، الأمر الذي قد يفرض إعادة النظر في كثير من الحسابات السياسية. وهنا أوضح أن المصلحة العامة لا تُترجم إلى “صك على بياض” يمنح للطرف الآخر، بل إلى اتفاقات متوازنة تحفظ الحقوق والالتزامات.

ومن أكثر اللحظات لفتًا للانتباه في اللقاء، إجابته عن سؤال بدا عابرًا لكنه حمل عمقًا فلسفيًا: “هل يوجد شيء يشبه شيئًا؟” أجاب بذكاء، وكأنه يريد أن يقول إن التجارب تثبت أن الجمع بين مواقف متناقضة أمر صعب، وإن الوصول إلى تفاهمات حقيقية يظل معقدًا ما دامت هناك مصالح تُضرب هنا وتُستقبل هناك. فالمشهد العراقي، كما أوضح، يقوم على مفارقات؛ من جهة تُستهدف المصالح الأمريكية والغربية، ومن جهة أخرى تُفتح الأبواب للشركات المرتبطة بها.

مع ذلك، أكد أن الحلول ليست مستحيلة إذا توفرت الإرادة السياسية، وأن وضع العراق ما زال في بداياته من حيث إمكانية إعادة التوازن، وأن الولايات المتحدة تدرك كل ما يجري وتتابعه عن كثب.

ومن خلال هذا اللقاء، أرسل زيباري رسالة غير مباشرة إلى القيادات السياسية في الإقليم: ضرورة البقاء على تواصل دائم مع الفضائيات العربية الكبرى، وخاصة “فضائيات أهل الضاد”، لأن هذه المنابر هي التي تكشف للرأي العام العربي والعالمي ما يحمله الكورد في جعبتهم من أفكار ورؤى، وتوضح طريقة تفكيرهم وأسلوب تعاملهم مع القضايا المصيرية.

إن نجاح هشيار زيباري في هذا اللقاء، كما في لقاءاته السابقة، يكمن في ثلاث صفات أساسية: الصراحة، الجرأة، والرزانة. فهو لا يلجأ إلى العبارات المواربة، ولا يختبئ وراء كلمات فضفاضة، بل يواجه القضايا بوضوح وهدوء في آن واحد.

وأخيرًا، لا يمكن تجاهل الجانب الرمزي الذي أحاط باللقاء؛ فخلفية المكان التي جرى فيه الحوار، بصورها وزخارفها، لم تكن مجرد ديكور، بل حملت رسائل عن الأصالة، والثقافة، والروح الثورية التي تميز الشخصية الكوردية. وكأن من وضع تلك الخلفية أراد أن يقول: نحن أبناء تاريخ وثقافة، ولسنا مجرد أطراف سياسية عابرة.

لذلك، يبقى هذا اللقاء مثالًا على أن السياسة ليست فقط فن الممكن، بل هي أيضًا فن إيصال الرسائل في الوقت المناسب، وبالطريقة التي تحفظ الهيبة وتكسب الاحترام. وللسيد هشيار زيباري، خال السياسة الكوردية كما يحب أن يصفه البعض، كل التقدير على حضوره المميز الذي يترك دائمًا أثرًا عميقًا في الذاكرة السياسية والإعلامية.

قد يعجبك ايضا