• الاقتصاد كمحرك للتغيير الاجتماعي!
( من الثورة الصناعية إلى التجربة الخليجية )

محمد قفطان

” الاقتصاد هو العامل الخفي الذي يصوغ القوانين أكثر مما تفعل العدالة ” .
– جون كينيث (اقتصادي أمريكي)

لطالما كان الاقتصاد .. بما يمثله من موارد وإنتاج وأسواق، هو المحرك الفعلي وراء تغيرات الشعوب وتحوّلات الدول .. ورغم ما يُروّج من شعارات أيديولوجية أو دعوات أخلاقية لتغيير المجتمعات، إلا أن أي تحوّل حقيقي وجذري لم يحدث في تاريخ الإنسانية إلا حين اصطفّت عجلة الاقتصاد إلى جانب الأفكار .. فالأفكار وحدها لا تغيّر العالم ، بل تغيّره حين تمشي على قدمين : سوق عملٍ محتدم وإنتاج لا يعرف التوقّف ..

لنأخذ التجربة الأوروبية في الثورة الصناعية كنموذج حيّ … في القرن الثامن عشر ، لم تكن أوروبا مهيأة لنهضة كبرى .. بل كانت غارقة في طبقية متجذّرة وقيودٍ أخلاقية ودينية تحدّ من حركة الإنسان، ناهيك عن المرأة … لكن حين تحوّلت المصانع إلى المراكز الجديدة للسلطة، وأصبحت الحاجة إلى الأيدي العاملة تفوق العرض، بدأ كل شيء يتغيّر … فُتحت أبواب المصانع أمام النساء، لا لأن المجتمع كان يؤمن بحقوقهن .. بل لأن خطوط الإنتاج تحتاج أيدٍ صغيرة وسريعة وغير مكلفة … ثم جاءت القوانين التي تنظّم ساعات عمل النساء ، وتحمي الأمهات العاملات ، وتمنع التحرّش بهن في بيئة العمل، لا بدافع إنساني محض ، بل بدافع تنظيم الكفاءة الإنتاجية وتقليل الخسائر .

بهذا المعنى … لم تنتصر الحركات النسوية لأنها كانت على حق فقط ، بل لأن السوق كان بحاجة إلى ما تمثّله . فالعدالة لم تكن كافية ، بل احتاجت إلى تسعيرة ، وإلى رقم في ميزانية المصنع … وإلى بندٍ في جدول الإنتاج … وهكذا كُتب للنضال الاجتماعي أن يُصدّر رؤاه حين أصبحت له جدوى اقتصادية.

وفي المقابل، فإن أي دعوة إلى تغيير المجتمع دون حركة اقتصادية تُعدّ ضربًا من الخيال أو الترف الفكري .. كيف يمكن لمجتمع منهك، بلا عمل، بلا دخل، بلا إنتاج، أن يغيّر عاداته وتقاليده وتصوراته؟ الجوع لا يصنع ثورات ناجحة، بل يصنع الفوضى فقط … أما الشغل والانشغال والعمل المستمر فهو من يُعيد تشكيل وعي الناس ويخلق طبقات وسطى واعية … قادرة على التغيير لا عبر الشعارات، بل عبر الإنتاج.

“اشغل الناس بالعمل .. فلا يعود لديهم وقت للتآمر ” .
– نابليون بونابرت

لذلك ! نرى اليوم مثالًا حيًا في التجربة الخليجية … فبغض النظر عن الرؤى السياسية، نجحت هذه الدول في تطويع الاقتصاد كأداة لبناء مجتمعات مشغولة بالعمل والتقدّم والرفاه. أغرقوا شعوبهم بالترف، بالوظائف، بالمشاريع، بالفرص… حتى لم يعد للشارع وقتٌ كافٍ للتفكير في السياسة أو المطالبة بتغييرات جذرية. فحين يكون المواطن منشغلاً بمشروعه، بترقيته، بسفره، بسوق الأسهم، لا يعود لديه حافزٌ ليهتف ضد الدولة التي صنعت له كل ذلك.

الحديث عن تغيير المجتمعات دون اقتصاد قوي هو هراء نخبوي! لا يُبنى وعي من فراغ، ولا تنهض الشعوب بالشعارات. السوق هو الميدان الأول للتغيير، والإنتاج هو القاطرة التي تجرّ المجتمع نحو المستقبل … أما الباقي، فمجرد ضجيج مؤقت ينتهي مع ملل صاحبه.

قد يعجبك ايضا