كتاب شفاء القلب الجريح. ..

نوري جاسم

هناك كتب لا تُقرأ بعين العقل فحسب، بل تُقرأ بالقلب، ويشعر القارئ معها أن الصفحات ليست ورقًا وحبرًا، بل نبضًا ودمًا وتجربة حياة. من بين هذه الكتب النادرة يسطع كتاب “شفاء القلب الجريح بشرح بردة المديح”، الذي جمع بين العلم والروحانية، وبين الحرف والدعاء، وبين المدح النبوي والشفاء الحقيقي. تبدأ الحكاية من قصيدة الإمام شرف الدين البوصيري ( 1213 م_ 1294 م )، البردة، تلك الأبيات الخالدة التي نُسجت بخيوط المحبة في قلب شاعر مريض بالشلل، حتى أكرمه الله برؤيا يرى فيها الحبيب المصطفى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يمسح عليه بردته، فيقوم من نومه وقد شُفي جسده، ليظل أثرها ممتدًا في قلوب المسلمين قرونًا طويلة. وبعد زمن بعيد، كان الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الجد (1879م _ 1973 م ) في تونس يعيش محنة المرض، وقد أثقلت علته قلبه وجسده، حتى كاد يفقد العزيمة. وفي لحظات الانكسار والرجوع إلى الله، أخذ يردد أبيات البردة، لا بلسانه فقط بل بروحه، وأخذ يشرحها بيتًا بيتًا، يفتح مغاليق معانيها، ويستنطق الصور الشعرية فيها، ويستخرج من مدح النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم شرعية، ومن الصور البلاغية لطائف لغوية، ومن إشارات الحب النبوي دواءً للروح. شيئًا فشيئًا بدأ الجسد يستعيد قوته، والقلب ينبض بطمأنينة، والروح تشرق من جديد، حتى أدرك أن هذه الصفحات التي خطها كانت له علاجًا، فاختار لها اسمًا صادقًا يروي قصته: “شفاء القلب الجريح بشرح بردة المديح”. ولم يكن هذا الشرح مجرد تفسير لغوي أو سرد فقهي، بل كان مزيجًا من العلم والذوق، من البيان والوجدان، من النصوص الشرعية التي تسند المعنى، ومن البلاغة التي تزينه، ومن الإشراقات الروحية التي تمنحه الحياة. بقي العمل مخطوطًا حتى تولى المحقق محمد عواد العواد إخراجه في طبعة أنيقة محققة، ليصل إلى القراء في أبهى صورة، وليتحول من تجربة شخصية في الشفاء إلى رسالة عامة لكل من يبحث عن طمأنينة القلب. وهكذا صار الكتاب شاهدًا على أن المدائح النبوية ليست ترفًا أدبيًا، بل روح حية ونبض دافئ، وأن الحروف إذا امتزجت بالحب الصادق تحولت إلى بلسم، يعبر من الورق إلى القلب، ومن القلب إلى حياة أكثر صفاءً ونورًا.

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .

قد يعجبك ايضا