دور هواري بو مدين في تأجيج الصراع بين الحكومة العراقية والحركة التحررية الكوردية

أ.د.خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث و المعاصر

هواري بو مدين، القائد الثوري الجزائري الذي ذاع صيته في مقاومة الاستعمار، كان له دور بارز وأثر كبير على مجريات الصراع بين الحكومة العراقية والحركة التحررية الكوردية، لكن هذا الدور لم يكن بالضرورة لصالح حقوق الكورد أو استقرار العراق.

في لقاءه مع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون عام 1974، وصف بو مدين كوردستان بأنها “إسرائيل الثانية”، وهي مقولة مثيرة للجدل تحمل في طياتها اتهامًا ضمنيًا للحركة الكوردية وكأنها كيان استعماري محتِل. والحقيقة أن الكورد، على العكس، شعب أصيل تعرض لاحتلال أرضه واغتصاب حقوقه من قبل الأنظمة العربية، ولم يتجاوزوا حدود أحد.

كان بإمكان بو مدين، بحكم مكانته ونفوذه السياسي، أن يكون وسيطًا نزيهًا يدعو إلى منح الكورد حقوقهم المشروعة والدفاع عن قضاياهم الوطنية إلى جانب القضية الفلسطينية، مما كان سيسهم في توحيد الجهود العربية ضد الاحتلال الإسرائيلي بدلاً من تعميق الانقسامات الداخلية.

وعلى الرغم من هذا الصراع، أظهر الزعيم ملا مصطفى البرزاني موقفًا وطنيًا عاليًا عندما أوقف كافة العمليات المسلحة ضد الجيش العراقي عام 1967 ليتفرغ العراق لمعركة مواجهة إسرائيل، تعبيرًا عن حرص الكورد على الوحدة الوطنية في مواجهة العدو الخارجي

بدلاً من ذلك، شجع بو مدين الحكومة العراقية على قمع الحركة الكوردية، ورافق ذلك توقيع اتفاقية الجزائر عام 1975بجهود و وساطة جزائرية، التي اضطرت بغداد فيها للتنازل لإيران، لكنها في الوقت نفسه تناست حقوق الكورد، ما أدى إلى تفاقم النزاع الداخلي، واندلاع حرب اقليمية دموية استمرت ثماني سنوات كلفت العراق ثمناً باهظًا على الصعيدين البشري والاقتصادي.

تجربة هواري بو مدين مع القضية الكوردية تبرز مدى تعقيد المشهد السياسي في العراق والمنطقة، وكيف يمكن للأفكار والتدخلات الخارجية أن تؤدي إلى نتائج كارثية لا تستفيد منها سوى قوى الإقليمية و الدولية.

و بالمقابل لقد كانت الحركة التحررية الكوردية، بقيادة الجنرال الملا مصطفى البارزاني، من أشد المؤيدين للنضال الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي. عبرت القيادة الكوردية، والصحافة الكوردية، والرأي الشعبي الواسع في كوردستان، عن تضامنهم الكامل مع الشعب الجزائري في سعيه لاستقلاله ورفضه الاحتلال الأجنبي. كانت القضية الجزائرية تمثل نموذجًا ملهمًا للحركات التحررية في كوردستان، وتعكس أواصر الوحدة بين الشعوب التي تكافح من أجل حقها في تقرير المصير والحرية.
اليوم، بات واضحًا أن العراق بحاجة إلى قيادات تنبذ الصراعات وتعمل على تقريب وجهات النظر بين مكوناته، خاصة بين الحكومة والكورد، لتجاوز سنوات الصراع وتعزيز استقرار الوطن ومكانته السياسية والاقتصادية.

فالحل الحقيقي يكمن في الحوار الشفاف واحترام حقوق الجميع، بعيدا عن تدخلات خارجية قد تغذي الأزمات بدل حلها.

قد يعجبك ايضا