د . صباح ايليا القس
لم يكن شاعرا تقليديا ينسج على طريقة ما جاء به من سبقه من الشعراء بل هو نسيج خاص .. لم يعرف الدنيا وطبيعتها وظواهرها ولم يكن طماعا كما عهد ذلك عن شعراء عصره . لذلك لم يدخل في مساجلة مع المادحين ولم يقف عند باب أحد منهم بغض النظر عن موقعه ورتبته الوظيفية .
كان زاهدا فيما عند الناس لا يعرف النفاق والتزلف لذلك ظل معتكفا في منزله يتثقف ويفكر ويبحث منطلقا من ذاته لمعرفة طبيعة هذا العالم لا سيما سر الوجود منطلقا من ذاته القلقة وما تشتمل عليه روحه من صراع مع الفساد والحساد فاضحا اخلاق المجتمع المتدنية ساعيا الى تطوير العقل لما فيه الخير والصلاح .. يعرفه الناس بأنه حكيم وهو من الزهد بمرتبة راقية ذلك هو المعري ابو العلاء الاعمى المجدور وهما علتان ظل يعاني منهما عمره كله لكن هاتين العلتين لم تقعده عن طلب المعرفة والاداب والشاعرية والمكانة الطيبة بين الادباء والشعراء والفلاسفة اذ لم تجتمع هذه الصفات في من سبقه من الشعراء .. اذ يعد الاول في حمل راية الحرب على الجهل والتخلف والسحر والاوهام والاباطيل التي شاعت في عصره اذ يقول :
كأن حواء التي زوجهــــــــا آدم لم تُلقَحْ بشخص أريبْ
قد كثرت في الارض جُهّالنا والعاقل الحازم فينا غريبْ
المعري ينسب الى المَعرّةَ وهي معرة النعمان المدينة السورية اما الاعمى والجدري فمنذ الولادة ويمكن ملاحظة التحدي الذي تشتمل عليه هذه الشخصية التي عُرفتْ بالتحدي والمجاهدة على العكس من امثاله الذين يستهويهم الكسل والقعود عاجزين يرتضون بصدقة المتصدقين عند ابواب الجوامع وفي الاسواق ..
لكن المعري كان غير ما توقع أهله اذ اجتهد في طلب العلم ولم تقعده العاهتان عن السعي والتفكير والابداع في مجال يعد الاول من نوعه ( الشاعر الفيلسوف ) متفوقا احيانا على ما جاء به الشاعران ابو تمام والمتنبي وغيرهم من شعراء عصره فكان ناقدا لكل المظاهر السلبية التي افرزتها طبيعة المجتمع حينها وظن الناس فيه الظنون بوصفه مجنونا ذلك لانه حمل راية الكشف الواقعي مع الآخرين حتى ظن احيانا بسوداوية الحياة بل حتى انه ثار على نفسه بوصفه واحدا من هذه البيئة يقول :
وُعِيتُ ابا العلاء وذلك مَيْنٌ ولكن الصحيح ابو النزول
والمين هو الكذب
ويمكن ملاحظة المفارقة بين كلمتي ( العلاء والنزول ) التي تعني تحقيق الذات وجلدها لانها عاشت في زمن التفاهة .
شغلت الفلسفة حياة الشاعر وظل وفيا لها طوال حياته وظل كذلك شاعرا حالما بالبحث عن سر الوجود لاسيما ما شغل الفلاسفة الذين قبله الباحثين عن بداية الوجود ومصيره في الاخير ..
كان من المؤمنين بقوة العقل على البحث وايجاد الحلول لأصعب وأعقد المشاكل التي عجز عنها السابقون اذ لا سبيل الا بالعقل والمنطق والقوة والقدرة لتحقيق الحياة الكريمة بعيدا عن السحر والتخاريف والشعوذة يقول في الفكر :
فكروا في الامور يكشف لكم بعض الذي تجهلون بالتفكير
نعم بالتفكير المبني على الثقافة والمعرفة والدراسة والاستنتاج يكون المجتمع قد حقق المكانة الطبيعية بين الامم .