احمد زبير باني
في أزمنة تختلط فيها التحديات السياسية بالتقلبات الاقتصادية، وتتصارع فيها المصالح الإقليمية والدولية على رقعة شطرنج معقدة، تظهر شخصيات قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص، والشدائد إلى مساحات للنهوض والبناء. من بين هذه الشخصيات يبرز اسم مسرور البارزاني، رئيس حكومة إقليم كوردستان، الذي استطاع أن يخط لنفسه مسارًا متميزًا في فن الحكم والإدارة، جامعًا بين وضوح الرؤية وحنكة الأداء.
منذ توليه رئاسة الحكومة في عام 2019، واجه البارزاني ملفات شائكة وظروفًا استثنائية، كان أبرزها الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالإقليم، وانخفاض أسعار النفط، وتبعات تفشي جائحة كورونا، فضلًا عن التوترات المستمرة في العلاقة بين أربيل وبغداد، وتعقيدات المشهد الإقليمي والدولي. ورغم كل تلك التحديات، استطاع أن يرسّخ نهجًا جديدًا في الإدارة، يقوم على الشفافية، الإصلاح، وتنويع مصادر الدخل.
رؤية استراتيجية للنهوض
تميزت قيادة مسرور البارزاني بتبني رؤية إصلاحية متكاملة، وضعت في صلب أولوياتها بناء مؤسسات قوية وحديثة، وتعزيز سيادة القانون، ومكافحة الفساد، وتقليص الاعتماد على الموارد الطبيعية كمصدر وحيد للدخل، والاتجاه نحو تفعيل القطاعات الإنتاجية الأخرى كالسياحة والزراعة والصناعة. وفي هذا الإطار، أُطلقت سلسلة من المبادرات والمشاريع الطموحة لتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، وتحفيز بيئة ريادة الأعمال، خاصة بين فئة الشباب.
حنكة سياسية في زمن التقاطع
وعلى الصعيد السياسي، أظهر البارزاني قدرة لافتة في إدارة التوازنات الدقيقة بين المصالح المتضاربة في الداخل والخارج. ففي العلاقة مع الحكومة الاتحادية في بغداد، تبنّى سياسة الحوار والتهدئة دون أن يساوم على حقوق الإقليم الدستورية، مطالبًا دومًا بتطبيق مبادئ العدالة والمساواة في توزيع الثروات، واحترام خصوصية إقليم كوردستان ضمن الإطار العراقي العام.
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فقد نجح في تعزيز مكانة الإقليم كطرف فاعل ومحترم في المعادلة الجيوسياسية، عبر بناء علاقات متينة مع قوى إقليمية ودولية كبرى، قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
الإنسان أولًا
لم تغب الجوانب الاجتماعية والإنسانية عن مشروع مسرور البارزاني في الحكم، إذ أولى اهتمامًا بالغًا بملف الخدمات العامة، وخاصة في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية. كما تم العمل على تحديث النظام التعليمي، ودعم الجامعات والمؤسسات الأكاديمية، وتوفير المناخ المناسب للإبداع والبحث العلمي.
وفي ميدان الأمن والاستقرار، بقي الإقليم، تحت قيادته، واحة آمنة وسط محيط مضطرب، حيث واصل دعم القوات الأمنية، وعلى رأسها قوات البيشمركة، وسعى لإعادة تنظيمها وتحديثها بما يواكب التحديات الأمنية الجديدة.
خاتمة: القيادة التي تُلهم
إن تجربة مسرور البارزاني في قيادة حكومة إقليم كوردستان، بما تحمله من نجاحات وتحديات، تمثل نموذجًا ملهمًا في فن القيادة والإدارة في أوقات الأزمات. رجل لم يكتفِ بالتفاعل مع الواقع، بل عمل على تغييره، بإرادة صلبة ورؤية متبصرة، جاعلًا من كوردستان منارة يُحتذى بها في المنطقة.
وبينما يستمر الإقليم في مسيرته نحو التقدم والاستقرار، فإن التاريخ سيذكر أن في لحظة فارقة، وُجد قائد اسمه مسرور البارزاني، نهض بالمشروع الكوردي، وكتب فصلاً جديدًا من فصول الكرامة والطموح والبناء.