شرف الخصومة

 

 

مهند الصالح

في المشهد السياسي العراقي، يفرض علينا الواقع أن نختلف، لكن ليس من الضروري أن نتصارع. نختلف فكرياً وسياسياً، لكننا نرفض تماماً إقصاء خصومنا، لأننا نؤمن بالتعددية، ونرفض منطق التصفية السياسية والانتقام، كما نرفض محاولات زج العراق في صراعات إقليمية لا ناقة له فيها ولا جمل، وصبغه بألوان المحاور الخارجية على حساب استقراره وسيادته.

 

تميّزت الساحة العراقية بفسيفساء فكرية نادرة في محيطها الإقليمي، حيث تتعايش تيارات الإسلام السياسي السني والشيعي، من الإخوان والسلف والدعوة  إلى جانب قوى مدنية تتنوع بين اليسارية والليبرالية والقومية. هذا التنوع يعكس غنى التجربة العراقية، التي وإن كانت ديمقراطيتها غير مكتملة، فإنها ما زالت تحتفظ بهامش حرية أوسع مما هو متاح في دول الجوار.

 

غير أن هذا التنوع الحزبي لا يعني بالضرورة وجود فكر ناضج ومتماسك. فغالباً ما تتحول الأحزاب إلى أدوات بلا عمق فكري، يغلب عليها الطابع العائلي، وتسعى إلى تقاسم السلطة والغنائم بدل أن تنشغل بمشروع وطني جامع. بعض هذه الأحزاب لها سجل طويل في الإقصاء، والتكفير، والعمل ضمن أجندات خارجية عبر حروب الوكالة.

 

نعم، للخصومة شرف، لكن شرف الخصومة لا ينسجم مع مشروع أسلمة الدولة وبناء منظومة دينية تهدد أسس الدولة المدنية الحديثة. نرفض توظيف الدين لأغراض سياسية، ونؤمن بأن احترام الدين لا يكون من خلال المتاجرة به، بل من خلال عزله عن سوق السياسة والمصالح.

 

التاريخ لا يرحم، وهو يكشف مواقف المتقلبين، وأولئك الذين ارتضوا أن يكونوا بيادق تُحرَّك على رقعة شطرنج المصالح الإقليمية. ورغم كل هذا، نؤكد من جديد: نختلف، لكن لا نقصي. نعارض، لكن لا نخوِّن. ننتقد، لكن لا نحرض على العنف السياسي أو الانتقام.

 

صوت المبدأ لا يسمعه من لا يريد أن يصغي إليه، وخصوم التجربة العراقية كثر، لكن الرد لا يكون بردة الفعل أو الانفعال، بل بالتمسك بالدستور، وبالوحدة الوطنية، وبالسعي المستمر لاستكمال مشروع الدولة الديمقراطية، دولة المواطنة لا الطائفة.

 

نعم، نختلف سياسياً وفكرياً، لكن يجمعنا حب العراق، ونضجنا يتجلى في قدرتنا على إدارة خلافاتنا برقي. فليكن اختلافنا مصدر قوة، لا ساحة تصفية. ولتبقَ بوصلتنا الوحيدة: العراق، فوق الجميع

قد يعجبك ايضا