د. جمال السعدي
يٌعدّ ملف خور عبدالله من أكثر الملفات التي أثارت توترا في السنوات الأخيرة في العلاقات الدبلوماسية بين الكويت والعراق، حيث ساهم تداخل عدة عوامل سواء كانت قانونية ، سياسية ،إقتصادية في تعقيد المشكلة وزيادة سخونتها ،ولكي نسلط الضوء عليها لابد من تأصيلها من الناحية التأريخية وعرض مايتعلق بها من االناحية القانونية.
خورعبدالله ،ممر مائي إستراتيجي يٌعدّ المنفذّ البحري الوحيد للعراق على الخليج ،بعد عام 1991 أصدر مجلس الأمن الدولي قراره الجائر رقم 833 في 1993 إستنادا الى الفصل السابع ،نتيجة غزو نظام صدام للكويت ،وبموجبة تم ترسيم الحدود البرية دون البحرية بين البلدين ،مابين النقطتين الحدوديتين رقم (156 ) ورقم157 بأتجاة الجنوب الى النقطة 162 وبهذة النقطة تحديدا إنتهى الترسيم البري للحدود طبقا للقرارأعلاة.
وأسس صدور هذا القرار الجائر الحق للكويت ظٌلما ،لتكون شريكة للعراق في جزء من خور عبدالله، الذي تنازل عنة رأس النظام السابق صدام مرغما نتيجة الهزيمة التي لحقت بة أمام التحالف الدولي وليس أمام الكويت ، نتيجة سياساته غير الحكيمة والتي تركت إرثا ثقيلا للنظام الجديد بعد 2003 بحكوماتة الثمانية ،من حكومة أياد علاوي ولغاية حكومة السوداني ،لم تستطع التعامل مع هذا الملف المهم بحكمة والتقليل من أثاره والدفاع عن مصالح العراق وركزت الأحزاب المشاركة بها على مغانم السلطة ،وهنا تنتهي مرحلة التأسيس لمشكلة خور عبدالله .
..إلا أن مايٌلفت النظرإليه تّضمنت إتفاقية الملاحة في خورعبدالله ،التي وقعها عن الجانب العراقي ،وزير النقل والمواصلات بحكومة المالكي الثانية السيد هادي العامري ، في بغداد بتأريخ 29 / 4 / 2012 وعن الجانب الكويتي وزير الأتصالات مغيث الأذينة ،في المادة (2 ) منها أضيفت عبارة ( ومن ثم الى بداية مدخل القناة الملاحية عند مدخل خور عبداللة ) والتي تعتبر إعترافا ضمنيا من الجانب العراقي ،بشراكة الكويت له في قناة خور عبدالله من بعد إنتهاء ترسيم الحدود البرية في النقطة 162 وهذا ما أكدة رأي الخبراء البحريين ،وتعد هذه الأتفاقية تأسيس لمرحلة جديدة من التفريط بحقوق العراق ،ولابد من التذكير أن هذه الأتفاقية مهمتها (تنظيم الملاحة ) وليس (ترسيم الحدود ) وما يؤكد ذلك نص المادة 6 من الأتفاقية والتي جاء بها (لاتؤثر هذه الأتفاقية على الحدود بين الطرفين في خور عبدالله بموجب قرار مجلس الأمن رقم 833 لسنة 1993 والتي جرى ترسيمها في زمن النظام السابق ويقصد هنا من النقطة 156 الى النقطة 162 .
وهذا يدل على حرفية وذكاء من ساهم بكتابة مواد الاتفاقية ، البالغة 16 مادة فهو تجاوز ،النقطة 162 التي حددها القرار الجائر 833 وهنا يمكن إستغلال هذا التجاوز من قبل الجانب الكويتي للمطالبة بحقوق العراق ولا أقول أن الجانب العراقي المشارك في المفاوضات لايمتلك أعضائه هذه الأمكانية لكن ربما لم يتم إشراك من يتمتع منهم بالخبرة الكبيرة بهذا المجال ومنهم وزير المواصلات السابق عامر عبد الجبار وغيره الذي أفاض في شرح المشكلة كونه خبيرا بحريا ويمتلك الكثير من الوثائق ، حسب إدعائه التي تقوي موقف الجانب العراقي ،وأدلى بتصريح تلفازي أنه ، شرح و وضح وأحاط الوزير الذي أستلم الوزارة بعده بكل التفاصيل ، وأوصاه بعدم منح موافقات تتعلق بالربط السككي لا الى الكويت ولا العربية السعودية ولا الى إيران لكن تفاجأ بعد فترة بمنح موافقات الى أحد الدول الثلاث.
الموقف القانوني :بين التأييد والرفض الشعبي .
1 _ إذا نظرنا إلى الأمر بتجرد وواقعية وبعيدا عن العواطف التي تحرك الشارع العراقي لعدم إحاطتة بتفاصيل المشكلة او إستغلاله لأغراض إنتخابية من قبل بعض السياسيين.. نرى شرعية المصادقة على المعاهدة ومما يؤيد ذلك أن المحكمة الأتحادية برئاسية القاضي العميري في قرارها في 4 /9 /2023 عندما ردت دعوى رفعها أحد النواب مطالبا المحكمة الأتحادية بالعدول عن قرارها السابق الذي أتخذته في زمن القاضي مدحت المحمود بالتصديق على قانون تصديق المعاهدة رقم 42 لسنة 2013 قد خالفت المادة 94 من الدستورالتي جاء فيها ( قرارات المحكمة الأتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة ).
2- من جانب أخر أن المحكمة من حقها أن تتراجع بالعدول عن أحد (مبادئها )كلما إقتضت المصلحة الدستورية والعامة ذلك مع إن الدستور خلا من أي مادة تٌجيز للمحكمة العدول عن مبادئها وانما المحكمة الأتحادية بتشكيلتها الجديدة برئاسة القاضي العميري عام 2021 ضمنت نظامها الداخلي الجديد المادة 45 التي تجيز لها العدول عن(مبدأ) أثناء نظر الدعوى أمامها وليس ألغاء قرار قطعي سابق أكتسب قوتة من المادة 105 من قانون الأثبات وتؤكد المادة 94 من الدستور على إلزاميتة وعدم المساس بة فهي بتصرفها هذا لم تتراجع عن (مبدأ) بل نقضت حكمها القطعي الصادر في 18 /12 /2014 بشأن إتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبدالله.
( ووصفت النقض بالعدول ) مع أن المادة 45 من النظام الداخلي للمحكمة نصت على إن العدول يرد على ( المبدأ) لا على (الحكم) وبهذا نسفت المحكمة حجية الأمر المقضي بة وأحدثت خللا تشريعيا وإضطرابا على المستوى السياسي الداخلي وزادت من تأزم العلاقة مع الجارة الكويت لأن الحكم الملغي أسس لمعاهدة أعتمدت دوليا.
3- اعتماد المحكمة الأتحادية في زمن القاضي مدحت المحمود على المادة(59/ثانيا) من الدستور والتي جاء بها (تتخذ القرارات في جلسات مجلس النواب بالأغلبية البسيطة بعد تحقق النصاب مالم ينص على خلاف ذلك ) وعلى أساسها صوت مجلس النواب على الكثير من
من القرارات ونسأل هنا مامصير هذه القرارات ؟؟ بعد إعتماد المحكمة في زمن القاضي العميري على المادة (61 /رابعا) من الدستور والتي جاء بها (تنظيم عملية المصادقة على المعاهدات والأتفاقيات الدولية ، بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب )
أما مايتعلق بالجانب الشعبي فالغالبية العظمى منه ترفض الأتفاقية وردود فعلها عاطفية أكثر منها واقعية متأثرة بوسائل التواصل التي إتخذها البعض من السياسيين منبرا للحكم وتأجيج الرأي لأغراض إنتخابية فالأتفاقية قد تم التصديق عليها من قبل حكومة منتخبة معترف بها دوليا وأصبحت قانون معتمد في المحكمة البحرية الدولية ولاتأثير لقرارات المحكمة الأتحادية على قوتها وسريانها .
إشكالية الأكراة في الموافقة على القرارات الدولية .
يٌثار جدل في الأوساط القانونية عن مدى قانونية قبول العراق لقرارمجلس الأمن رقم 833 في 1993الخاص بترسيم الحدود وكان العراق في حينها تحت تأثير ظغط سياسي وأقتصادي دولي ولم يكن بملء إرادته بل تحت الإكراه فالقانون الدولي ينص على أن المعاهدات الموقعة تحت الإكراه قد تكون باطلة طبقا لمبدأ “عدم جواز الإكراه في المعاهدات ” المنصوص علية في إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات عام 1969 وهذ يمنح أمل للكثيرمن العراقيين بضرورة قيام الحكومة بجهد دولي لمراجعة القرار الجائر833 خاصة أن الظرف الذي وقٌع به كان إستثنائيا .
الحلول الممكنة.
من الناحية القانونية أصبحت إتفاقية خورعبدالله التي وقّع عليها بتأريخ 29 / 4 / 2012 أمر واقع لأن حكومة المالكي الثانية وقعت عليها بمحضّ إرادتها عبر ممثلها وزير النقل والمواصلات السيد هادي فرحان العامري وهنا لانٌلقي الّلوم لا على السيد المالكي ولا على السيد العامري بل على المختصين وخبراء القانون فهم أقدر من غيرهم إن كانو مهنيين على تشخيص الخلل إن وجد… وهنا أتسائل هل تم إطلاع حكومة المالكي في حينها على الأتفاقية ؟؟
ونرى ضرورة لجوء الحكومة العراقية الى الحوار الودي مع الحكومة الكويتية وتذكيرهم أن في العراق نظام جديد وهو لايحمل نيات عدوانية تجاة الكويت ومن هذا المنطلق يجب فتح صفحة جديدة وعدم إعتبار ماحصلوا عليه من أراض عراقية بموجب قرارات مجلس الأمن الجائرة غنيمة بل يجب أن يتعاملوا بنبل ويتنازلوا عنها.
وأعتقد جازما أن الحكومة الكويتية لاتحمل نوايا طيبة تجاة العراق وتعتبر ماحصلت عليه هو تطبيق للشرعية الدولية من وجهة نظرها .
من جانب أخر على الحكومة االعراقية أن تستفيد من نص المادة 14 من إتفاقية خور عبدالله التي جاء فيها : ” أي خلاف ينشأ بين الطرفين حول تفسير أو تطبيق هذه الأتفاقية يتم تّسويتة ودّيا من خلال المشاورات وفي حال عدم تمكنها من التوصل الى إتفاق بشأن الخلاف فيتم إحالته الى المحكمة الدولية لقانون البحار ” .
ونذكّر الحكومة بضرورة السعي الى تدويل قرار ترسيم الحدود الجائر (833) لسنة (1993) دوليا بالأعتماد على مانصت علية إتفاقية فيينا حيث رسمت الأتفاقية بموادها من (48 -52 )ألية الأنسحاب من الأتفاقية في حالة مخالفتها للقانون الوطني فالمادة 52 من إتفاقية فيينا عام 1969 جاء بها ( تكون المعاهدة باطلة إذا تم التوصل الى عقدها بطريق التهديد أو إستخدام القوة بصورة مخالفة لمبادئ القانون الدولي المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة ) .
وهذا ماتعرض لة نظام صدام على أثر غزو الكويت ومن بعد 2003 الحكومات المتعاقبة كثمن لخروج العراق من العقوبات الدولية التي فرضها الفصل السابع على العراق ولتصفير المشاكل بين الكويت والعراق وفتح صفحة جديدة وربما يطرح سؤال هل توجد سابقة دولية تم بها إلغاء إتفاقية أعتمدت أمّميا ؟؟ الجواب نعم تم إلغاء أتفاقية فرساي عام 1919 من قبل ألمانيا بسبب الغلط واللاعقلانية في بنودها .كما تمنح إتفاقية فيينا فرصة الأنسحاب من الأتفاقية في حالة وجود شبهة رشا ساعدت على إتمام إنعقادها.
وأخيرا مشكلة خور عبدالله تظل مشكلة معقدة يجب أن تبذل الحكومة أقصى جهدها الإعلامي والدبلوماسي مع اللّجوء الى محكمة العدل الدولية بالإستعانة بشركة محامات دولية لأن الظروف التي تم فيها فرض القرار الجائر 833 لسنة 1993 على العراق غير عادلة ومورس عليه حينها ضغطا سياسيا وإقتصاديا دفع النظام الى قبول التنازل عن حقوق العراق وأيضا للحفاظ على بقائة في السلطة فإلغاء القرار اعلاه للأسباب التي ذكرت تعتبر
الملجأ الأخير وليس تهييج الشارع عاطفيا .