تفعيل برلمان كوردستان وتشكيل حكومة تمثيلية شاملة

أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث و المعاصر

مع التطورات الأخيرة التي شهدتها العلاقة بين حكومة إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية، بات من الضروري قراءة هذا العلاقة و التطورات في سياقه السياسي والدستوري الأشمل. ، و بدا مسار إصلاحي متكامل يعيد ترتيب أولويات الحكم في الإقليم وفق متطلبات الشرعية والمؤسساتية والتمثيل العادل.

التفاهمات الاخيرة في ملف النفط، وهو شريان الإيرادات الأساسية في الإقليم، يحتم على حكومة اقليم كوردستان إعادة النظر في بنيتها الداخلية،وتأتي في مقدمتها مسألة تفعيل عمل برلمان كوردستان، المؤسسة التشريعية ذات الشرعية الانتخابية المباشرة، والتي توقفت عن أداء مهامها منذ قرابة تسعة اشهر،نتيجة تعقيدات سياسية داخلية وصراعات حزبية.

إن استمرار هذا الجمود التشريعي لا يؤثر فقط على المشهد السياسي، بل يمتد أثره إلى تعطيل كامل في التشريعات الضرورية، وضعف الرقابة على الأداء الحكومي، وتعميق فجوة الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم. فالمؤسسة البرلمانية ليست مجرد مظلة سياسية، بل هي البنية القانونية التي تضمن شرعية القرارات وتوازن السلطات، وتمنح الحكومة صلاحياتها وفق قواعد المحاسبة والشفافية.

وتأتي الحاجة الملحة كذلك إلى تشكيل كابينة جديدة لحكومة اقليم كوردستان، ذات طابع تمثيلي واسع، تعكس التنوع السياسي والاجتماعي في كوردستان، وتتجاوز منطق المحاصصة التقليدي ،نحو نموذج حوكمة شاملة وفاعلة. هذا التشكيل يجب أن ينبني على أساس برنامج وطني موحد يضع في أولوياته استعادة المؤسسات، تحسين البنية الخدمية اكثر، وتنظيم العلاقة مع العاصمةوفق آليات قانونية واضحة ومتفق عليها.

وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بمجموعة من الإجراءات الهيكلية المكملة، التي من شأنها دعم هذا المسار الإصلاحي:
•وضع خطة وطنية شاملة لبناء حكم رشيد.
•تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للإيرادات.
•إعادة تفعيل الأجهزة الرقابية وإصدار قانون موازنة سنوي شفاف، يُظهر تفاصيل الإنفاق العام والإيرادات.
•توحيد القوى الأمنية و البيشمركة
•تطوير آليات الرقابة المالية والإدارية، بما يعزز ثقة المواطن في الإدارة العامة.

إن الاستحقاقات الدستورية لا تُدار عبر التفاهمات المؤقتة أو تقاسم النفوذ، بل تُبنى عبر مؤسسات دستورية قوية وفاعلة. ولذلك فإن نقطة البداية الحقيقية لأي إصلاح سياسي جاد في كوردستان تكمن في إعادة البرلمان إلى العمل وتشكيل حكومة جديدة تتمتع بشرعية داخلية ودعم شعبي، وقادرة على مواجهة التحديات المتراكمة، بما في ذلك تنظيم العلاقة مع بغداد على أسس قانونية لا ارتجالية.
في هذه اللحظة الدقيقة من تاريخ الإقليم، يصبح الخروج من منطق الجمود السياسي خيارًا لا بديل عنه، وتكون العودة إلى المؤسسات، هي الضمانة الوحيدة لكرامة القرار الكوردي واستمرارية الكيان الإداري والسياسي للإقليم ضمن العراق الاتحادي.

قد يعجبك ايضا