فريدة الحسني
يعد العراق من أغنى دول العالم بالثروات النفطية وتصل ميزانيته السنوية إلى عشرات المليارات من الدولارات، إلا أن هذه الوفرة لم تنعكس بشكل ملموس على واقع المواطن العراقي، بنية تحتية متردية، خدمات أساسية مفقودة، ومدن تفتقر لأبسط مقومات الحياة الكريمة، في المقابل، نرى إقليم كردستان، بميزانيته المحدودة والتي تعتمد جزئياً على ما يخصص له من المركز يحقق تقدماً ملحوظاً في إنشاء مشاريع استراتيجية وبنية تحتية تبدو أكثر تنظيماً واستدامة ، مشاريع نوعية تلامس احتياجات المواطن وتعيد تعريف مفهوم التنمية في ظل الأزمات فما سر هذا التناقض؟ وهل الأزمة في حجم المال أم في طريقة إدارته؟
تجربة إقليم كردستان، ذلك الجزء من العراق الذي لا يحظى باستقلال مالي تام، حققت إنجازات عمرانية وخدمية لافتة، تطرح اليوم كنموذج إدارة رشيدة في ظل موارد محدودة وتحويلات مالية متقطعة من بغداد تُعد ميزانية الدولة العراقية من بين الأعلى في الشرق الأوسط من حيث الإيرادات النفطية، وتصل سنوياً إلى ما يفوق الـ 100 مليار دولار. ومع ذلك، لا تزال الخدمات الأساسية تعاني من الإهمال والبنية التحتية تتآكل يوماً بعد آخر رغم مرور عقدين على التغيير السياسي، ما زال المواطن العراقي يعاني من تراجع كبير في الخدمات الأساسية: انقطاعات الكهرباء، شح المياه، ضعف التعليم والصحة، طرق وجسور معطلة
،مجاري غير مكتملة منذ سنوات تتبدد الأموال بين حلقات الفساد، وسوء التخطيط، والتنازع السياسي، في مشهد يجعل من الوفرة عبئاً بدل أن تكون فرصة للنهوض. العراق لا يعاني من نقص الأموال، بل من غياب الإدارة الرشيدة وتفشي الفساد الذي يلتهم المشاريع قبل أن ترئ النور.
رغم الأزمات السياسية والاقتصادية التي تحيط بإقليم كردستان وخصوصا ما يتعلق بتأخر تحويل الميزانية من الحكومة الاتحادية، إلا أن الإقليم نجح في تقديم نموذج تنموي مختلف ،إدارة مختلفة لرؤية واضحة ، شبكة طرق منظمة، مطارات حديثه ، بنى تحتية متماسكة، تطور عمراني مدروس ، خدمات عامة بمستوى مقبول نسبياً مقارنة ببقية المحافظات العراقية فقد نجحت حكومة الإقليم، إلى حد ما، في تحويل محدودية الموارد إلى حافز للإبداع والاعتماد على الشراكات مع القطاع الخاص، إضافة إلى سياسات أكثر مرونة في الجذب الاستثماري، أثبتت حكومة الإقليم أن الإدارة الجيدة قادرة على تحويل القليل إلى كثير، في حين أن الإدارة السيئة قادرة على تبديد الثروات مهما عظُمت. ليست المشكلة في حجم الأموال التي يمتلكها العراق، بل في غياب الرؤية والتخطيط الاستراتيجي، وانعدام المسائلة.
أخيراً
المقارنة بين العراق وإقليم كردستان ليست مجرد مقارنة بين ميزانيتين، بل هي مقارنة بين فلسفتين في الإدارة. الأولى تعاني من ضياع الرؤية وغياب المساءلة، والثانية تحاول توجيه الموارد مهما كانت محدودة، نحو مشاريع ملموسة تخدم المواطن.
لقد أثبتت التجربة أن بناء الدول لا يعتمد على ما في خزائنها فقط، بل على من يمسك بزمامها. فحين تُدار الثروات بعقل حكيم، تصبح قادرة على تغيير وجه الحياة.