الاعلام السياسي و عملية إدارة الأزمات

المدرس المساعد
فراس محمد رضا الموسوي

للإعلام مكانة سياسية لا يستهان بها، ومقام كبير لا جدال فيه؛ وذلك بفضل ما يمتلكه من قدرة على التأثير والإقناع، وتشكيل الأفكار، وصناعة الرأي العام. ولقد أصبح الإعلام عنصراً رئيساً من عناصر التنمية وعاملاً ذا أهمية متزايدة في التطوير السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
ولأن الإعلامَ الحديث أحدُ أهم وسائل الاتصال في عصر المعلومات الرقمية الموسوم بالسرعة في نقل الخبر والمعلومة، فقد تمكن من اختراق الحدود والحواجز بين الدول والشعوب، مستثمراً وسائل التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة التي عززت دوره في المجالات كافة، خاصةً المجال السياسي.

ومن هنا أصبح الإعلام السياسي أحد أهم ركائز العملية السياسية؛ بل هو عصب العملية السياسية ذاتها.
فمتى كان الإعلام فاعلاً، قللَ احتمالات الخطأ في اتخاذ القرارات الصائبة والذي هو قمة العمل السياسي وغايته فهو يهدف إلى التأثير في الرأي العام، وتحقيق الأهداف المنشودة سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي. وقد تطور هذا النوع من الإعلام بالتطور التقني الذي شهدته وسائل إعلامية أخرى مستجدَّة، فأصبح يوظف التقنيات الحديثة في أداء رسالته الإعلامية السياسية بأسلوب متكامل يجمع بين الكلمة والصوت والصورة. وهكذا بات الإعلام السياسي يتناول النشاطات والأحداث والقرارات السياسية بالنقل والتحليل مما وسع نطاق الحصول على المعلومات لدى القادة والسياسيين، وأتاح قدرة أكبر على قياس ردود أفعال الجمهور تجاه السياسات المتَّخَذَة وكذلك المواقف والقرارات. وبالنتيجة، بات صانعو القرار السياسي يعتمدون بقدر كبير على مُخرجات الإعلام السياسي في صنع قراراتهم، وباتت الشعوب تعتمد عليه في تكوين الآراء والاتجاهات والمواقف المختلفة إزاء الأحداث والسياسات الدائرة في محيط عيشها.

وفي ضوء أحداث العصر الحالي، ينبغي لوسائل الإعلام والإعلاميين الوعيَ بحجم مسؤولياتهم في تشكيل الرأي العام المحلي والعالمي، والحرص على تفعيل الدور المتبادل في بناء الشراكات الفعالة مع الجهات الحكومية، وتعظيم دور الإعلام في الأجندة والاستراتيجيات الوطنية.
كما يجب أن يصب العمل الإعلامي ضمن المنظومة السياسية الوطنية، لتطوير وتنفيذ خارطة الطريق المشتركة التي يتسق فيها الإعلام مع العمل السياسي مشكلاً شراكة مستدامة، تتصدى لكل من يمارس التضليل ويعمد إلى تشكيل صور ذهنية مشوّشة ومربكة للجمهور. فضلاً عن ذلك، يجب تعزيز صورة الدولة وسمعتها ، من خلال إلقاء الضوء على توجهاتها، وإبراز إنجازاتها السياسية؛ مع ضمان صون هذه الصور واستدامتها من خلال خطاب إعلامي سياسي يفوق التوقعات في هذا الشأن.

ويتطلع خبراء الإعلام والاتصال إلى إعلام سياسي عربي لا يكتفي بتحليل الواقع الراهن، بل يتجاوز حدود الزمن ويبحث في المستقبل، مستشرفاً آفاقاً تأسست على تحليل حقائق الماضي وأحداث اليوم، تعمل بمدخل رئيس في صياغة الاستراتيجيات السياسية، التي لا تخضع لهيمنة التحليل السياسي لحاضر الأمَّة فقط، بل لمستقبلها أيضاً. فذلكم هو الإعلام الساعي لمستقبلٍ أفضل للوطن وللأمّة.

لقد أصبحت عملية إدارة الأزمات إعلامياً تخصصاً علمياً له قواعده ونظرياته وأسسه وآلياته واستراتيجيته الخاصة، بل بات يحوز اهتماماً واسعاً لدى المؤسسات التعليمية الأكاديمية والبحثية والمؤسسات الإعلامية والسياسية والدبلوماسية.

وقد بات إعلام الأزمات أو إعلام المواجهة يحظى باهتمام القيادات السياسية في أغلب دول العالم، وذلك في ظل تعاظم الأزمات عالمياً في مختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والبيئية والاجتماعية، وعلى كافة المستويات المحلية والإقليمية والدولية. كما برز مفهوم إعلام الأزمات في العقود الأخيرة بكل وسائله التقليدية والحديثة، خاصة في عصر الإعلام الرقمي، بوصفه أداة فعّالة وأساسية في مواجهة الأزمات واحتوائها.

فلقد تحول الإعلام عبر منصاته المتعددة إلى أداة التفاعل الرئيسة بين الأزمة وأطرافها، معلناً انتهاء عصر التعتيم والصمت حيال الأزمات مهما تفاوتت حدودها إذ أصبح إخفاء أي أزمة أو تجاهلها في عصرنا الحالي أمراً في غاية الصعوبة، على خلاف ما كان في الماضي، فاليوم لم يعد لإخفاء الأزمات مكان في أجندة الحكومات، كما بات لوسائل الإعلام الدور الرئيس في التعريف بها والتفاعل مع مجرياتها. ففي كثير من الأزمات تنتشر شائعة أو أكثر، وهذه الشائعات تؤدي إلى تفاقم الأوضاع؛ وهنا يبرز دور إعلام الأزمات في مواجهة هذه الشائعات والتصدي لها ولأخطارها. ويتمثل الأسلوب الأنجح والأقوى والأشد تأثيراً من بين جميع الأساليب المستخدمة لمجابهة الحملات الإعلامية المعادية، في تقديم خطاب إعلامي غني وموضوعي وجذاب يتمتع بأقصى قدر من المصداقية، من دون إغفال المراقبة الدقيقة للإعلام المعادي والتي هي مسألة بالغة الأهمية في إدارة الأزمة إعلامياً.
وفي ظل شمولية البيئة الإعلامية وتنوع أنماطها ما بين تقليدي وحديث، ظهرت إشكالية جديدة في مجال إعلام الأزمات، تثير تساؤلاً حول العلاقة بين وسائل الإعلام التقليدية والحديثة، من ناحية التكاملية أو المنافسة والمصداقية في أوقات الأزمات والأحداث واختلفت الآراء في هذا الشأن: ففريق يرى أن العلاقة تكاملية يتناغم فيها كل طرف مع الثاني، فيما يرى فريق آخر أن منصات الإعلام الرقمي لها السبق والسرعة والتفاعل اللحظي الأكبر، إذ تتمتع بميزات تقنية تعلو بها درجةً على نظيرتها التقليدية. ومن ذلك مثالاً لا حصراً-خصوصية شخصية المستخدم، وسقف الحرية المرتفع في التعبير عن الرأي. لكن هذا التدافع الإيجابي خلق مناخاً خصباً للمنافسة بين الإعلام التقليدي والحديث.
وأخيراً فإن توجيه رسائل إعلامية متصلة بالأزمات لجميع فئات المجتمع، ضرورة لأمنهم قبل تعاونهم. كما أصبح الإعلاميون أهم الشركاء في إدارة الأزمات، نظراً لقوة تأثيرهم في الرأي العام. لذا ينبغي أن تتصف الشراكة بين السياسيين وأصحاب القرار من جهة والإعلاميين من جهة ثانية بالطابع الاستراتيجي المشمول بالتعاون المكثف والمنتظم.

قد يعجبك ايضا