أ.د.خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث و المعاصر
في الرابع والعشرين من تموز عام 1923، وُقِّعت معاهدة لوزان في سويسرا، واضعةً بذلك نهاية رسمية للحرب العالمية الأولى بين الجمهورية التركية الناشئة من جهة، ودول الحلفاء من جهة أخرى. لكن ما اعتُبر حينها اتفاقاً للسلام والاستقرار، كان يحمل بين طياته تبعات جيوسياسية عميقة لا تزال تترك أثرها حتى اليوم، وخصوصاً على الكورد الذين وجدوا أنفسهم فجأة بلا وطن.
أتاحت المعاهدة لتركيا الحديثة اعترافاً دولياً بسيادتها وحدودها الجديدة، وألغت اتفاقية سيفر السابقة التي كانت قد فتحت الباب أمام إمكانية تأسيس كيان كوردي مستقل. في المقابل، تم تجاهل تطلعات الكورد تماماً، ليتم تقسيمهم بين تركيا والعراق وسوريا وإيران، ما أدى إلى تجذّر معاناة لم تنتهِ منذ قرن.
في سياق توزيع النفوذ والحدود، تجاهلت لوزان الوعود التي قُدِّمت للكورد خلال وبعد الحرب العالمية الأولى. ففي الوقت الذي ضمنت فيه المعاهدة اعترافاً بتركيا ودعماً لاستقرارها القومي، تم التضحية بحقوق الكورد من أجل توازنات إقليمية، وخصوصاً مع بريطانيا التي ضمنت مصالحها في ولاية الموصل الغنية بالنفط، والتي ضُمّت لاحقاً للعراق.
شكلت قضية الموصل إحدى أعقد نقاط التفاوض في لوزان. وبينما كانت تركيا تطالب بها، سعت بريطانيا إلى ضمها للعراق لضمان السيطرة على ثروتها النفطية. وفي عام 1926، تم الاتفاق على إبقاء الموصل ضمن العراق مقابل تعهدات بضمان حقوق الكورد هناك. ومع مرور الوقت، تنكّرت الحكومات العراقية المتعاقبة لتلك الوعود، وهو ما يُعد خرقاً صريحاً لشروط عصبة الأمم التي ربطت كوردستان بالدولة العراقية الناشئة آنذاك.
لم تتوقف بنود لوزان عند الحدود فقط، بل شملت أيضاً قضايا حساسة مثل إدارة الديون العثمانية، والامتيازات التجارية، والسيطرة على المضائق البحرية. فبينما حصلت تركيا على اعتراف جزئي بسيادتها على المضائق، بقيت تحت رقابة دولية حتى اتفاقية مونترو عام 1936. كما وزّعت المعاهدة ديون الدولة العثمانية على الدول الوريثة، ومنها العراق وسوريا، ما أضاف أعباء اقتصادية على الكيانات الوليدة.
قبِل الكورد بالانضمام إلى المملكة العراقية في ظل وعود دولية بضمان حقوقهم القومية، وتعهدات بحكم ذاتي ثقافي وإداري. لكن سياسات الحكومات العراقية، منذ تأسيس الدولة وحتى اليوم، تميزت بالتهميش والإنكار والاستغلال الاقتصادي، ما يمثل خرقاً فاضحاً لأسس العلاقة التي أُقيمت بين كوردستان والعراق.
مرّ قرن على توقيع معاهدة لوزان، لكنها لا تزال تُشكّل مرجعية للحدود السياسية والنزاعات القومية في الشرق الأوسط. وبينما تكرّست الدولة القومية التركية من خلالها، بقي الكورد ضحية هذا الاتفاق الدولي، موزعين بلا دولة، محرومين من حق تقرير المصير، ومعلّقين بين صراعات الدول الكبرى ومصالح الأنظمة الإقليمية.