أ.د.خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث و المعاصر
في زحمة المشهد العراقي، لا يبدو الصوت الكوردستاني في بغداد اليوم امتدادًا لتاريخٍ سياسيٍ ناضج، ولا صدى لتجربة نضالية طويلة دفعت فيها كوردستان كثيرًا من الدم والصبر والانتظار. بل يبدو هذا الصوت اليوم مشتتًا، هشًا، تحكمه اللحظة، وتختطفه الصفقات الظرفية، بينما تتآكل جدوى وجوده في مفاصل الدولة الاتحادية، شيئًا فشيئًا.
حين تحدّث الدستور العراقي عن الفيدرالية والشراكة، لم يكن ذلك مجرد اعتراف شكلي بالتعددية، بل دعوة صريحة لبناء دولة تقوم على التوازن والعدالة، تشارك فيها مكونات البلاد بفاعلية ومسؤولية. إلا أن الواقع يشير إلى تآكل مستمر في دور الكورد داخل الدولة الاتحادية، لا نتيجة لسياسات الإقصاء فحسب، بل بفعل تقصير داخلي أكثر إيلامًا: غياب التنسيق، تفكك الموقف، وتحوّل التمثيل الكوردستاني إلى حالة رمزية باهتة، بلا استراتيجية، ولا مشروع جامع.
لقد بات التمثيل السياسي الكوردستاني في بغداد أقرب إلى مقاعد باردة منزوعة التأثير، تدار بعقل حزبي ضيق، يغيب عنه الحس الجمعي الكوردستاني، وتحكمه أولويات آنية. كما لم تعد الوزارات ولا المناصب القيادية تعني مشروعًا وطنيًا كوردستانيا، بل أصبحت أدوات تفاوض تكتيكية، تتغير وفق حسابات النفوذ وتبادل المصالح، فيما يغيب الهدف الأسمى: تثبيت حضور كوردستان كشريك حقيقي في معادلة الحكم، لا كملحق تفاوضي مؤقت.
هذا التراجع لا تفسّره المؤامرات وحدها، بل يعكس خللًا ذاتيًا في أدوات العمل الكوردستاني في بغداد. فالأحزاب، بدلًا من أن تؤسس لمجلس سياسي موحد قوي داخل العاصمة، بقيت تتحرك كجزر منفصلة، تتنافس على التفاصيل، وتتجاهل القضايا الجوهرية. ومما يزيد الطين بلة أن معايير اختيار الممثلين عن كوردستان في الحكومة والبرلمان الاتحادي لم تعد ترتكز على الكفاءة أو الرؤية، بل على الولاء التنظيمي أو الترضيات الحزبية، ما جعل الأداء متذبذبًا، عاجزًا عن التعبير عن روح كوردستان أو حماية مصالحها.
إن مسؤولية تصحيح هذا المسار لا تقع على بغداد ، بل تبدأ أولًا من داخل كوردستان. آن الأوان لإعادة هيكلة التمثيل الكوردستاني، عبر تأسيس جسم سياسي موحد للأحزاب والكتل الكوردستانية في بغداد، يكون صوتًا مشتركًا يعبّر عن الرؤية الجامعة، ويتحرك وفق آلية تشاورية واضحة، ويضع معايير صارمة في ترشيح القيادات الكوردستانية للمناصب الاتحادية، بعيدًا عن منطق الترضية والمحاباة.
الفاعلون السياسيون الكوردستانيون مطالبون اليوم بإعادة الاعتبار لدورهم في الدولة العراقية. والمطلوب ليس فقط وحدة الموقف، بل وحدة المشروع. فبغداد ليست خصمًا دائمًا، بل ساحة نضج سياسي وتفاوض استراتيجي. ومن دون خطاب وطني ناضج، وكوادر مؤهلة تمتلك أدوات العمل الاتحادي، ستظل كوردستان تخسر في العاصمة ما تبنيه في الإقليم.
إن ترك بغداد في مهب الارتجال والاختلافات الحزبية هو تفريط صريح بموقع كوردستان في الدولة العراقية. وإذا لم يتحول التمثيل الكوردستاني إلى مؤسسة متكاملة تمتلك رؤية، وتستند إلى وحدة القرار، وتُنتج خطابًا موحدًا، فإن المسار الانحداري سيتواصل، وسنجد أنفسنا بعد سنوات أمام سؤال مرير: كيف تلاشى هذا الحضور، وكيف لم يدرك القادة أن الفرص لا تنتظر المترددين؟
فبقدر ما تشتد الأزمات، تزداد الحاجة إلى عقل سياسي كوردستاني موحد، يفكر بعين الدولة، لا بعين الحزب، ويتقدم بمشروع، لا بردّ فعل. وحده هذا التحول قادر على تحويل الوجود الكوردستاني في بغداد من عبء باهت إلى قوة اقتراح، ومن حالة شراكة هشة إلى شريك فاعل في صناعة القرار.
إن الوقت لم يعد في صالح الانتظار أو التجريب. كل تأخير في بناء مشروع تمثيلي موحد ومؤثر يزيد من تآكل الدور الكوردستاني في بغداد، ويفتح الباب أمام قوى أخرى لملء هذا الفراغ، سواء من داخل العراق أو خارجه. وإذا لم تُبادر الأحزاب الكوردستانية إلى مراجعة جذرية لعلاقتها ببغداد، فإن القادم سيكون أصعب، لا على التمثيل السياسي فقط، بل على موقع كوردستان السياسي في الدولة العراقية برمّتها.
على الفاعل السياسي الكوردستاني أن يدرك أن استعادة المبادرة في بغداد ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية. وأن وحدة الموقف، والتخطيط المؤسساتي، واختيار الكفاءات، لم تعد خيارات نظرية، بل شروط بقاء ومشاركة حقيقية. فإما أن يُبنى مشروع كوردستاني اتحادي يستحق أن يُحترم، أو أن نظل نعيش على ذكريات النفوذ السابق، بينما نُستبعد، ببطء ولكن بثبات، من معادلة الحكم
إن اللحظة التاريخية التي تمر بها القضية الكوردية في العراق، تستدعي من القادة والأحزاب الكوردستانية وقفة جادة ومسؤولة تتجاوز الحسابات الضيقة والمصالح الآنية. إن وحدة الموقف، والارتقاء إلى مستوى التحديات الوطنية، هما السبيل الوحيد لحماية المكتسبات والدفاع عن الحقوق الدستورية.
إن الشعب الكوردستاني يتطلع إلى قيادة موحدة تعبّر عنه بكرامة وكفاءة داخل الدولة العراقية. لا مجال بعد اليوم للتشرذم والخطابات المتناقضة. إن مسؤوليتكم أمام التاريخ تتطلب تأسيس مشروع اتحادي كوردستاني متكامل يُحسِن التمثيل ويُعلي الصوت ويصون الكرامة.