وزارة المالية… إدارة بالعجز وذرائع سياسية

أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث و المعاصر

في الوقت الذي يعاني العراق من أزمات مالية واقتصادية خانقة، وتزداد معاناة المواطن بين غلاء الأسعار، وتراجع الخدمات، وتوقف المشاريع، تخرج علينا وزارة المالية العراقية بتصريحات تفتقر إلى الحد الأدنى من المسؤولية المؤسسية، وتغرق في لغة التبرير بدل المعالجة، والتهرب بدل المواجهة.

ففي أحدث تصريحاتها، أكدت الوزيرة طيف سامي أن تأخير إعداد جداول الموازنة يعود إلى “تقلبات أسعار النفط” و”عدم تسديد إقليم كوردستان لالتزاماته المالية”. تصريح لا يكشف فقط عن عجز في التخطيط، بل يعكس استسهالًا مقلقًا في استخدام الخلافات السياسية كغطاء للفشل الفني والإداري. فأين هي أدوات وزارة المالية في التقدير والتحليل والاستباق؟ وأين هي لجانها المختصة؟ وأين خطط الطوارئ التي يُفترض أن تُعد في دولة ريعية تعتمد بشكل شبه كلي على النفط؟

إن ترك مصير الموازنة الاتحادية، وهي الوثيقة المالية الأهم في البلاد، رهينة حسابات سياسية ضيقة، يعني أن الدولة قد فقدت بالفعل أدواتها السيادية، وباتت تتعامل مع المال العام بعقلية “التفاوض والانتقام” وليس بمنهج “العدالة والمهنية”.

الأخطر من ذلك، أن الوزارة تحوّلت في أدائها إلى أداة بيد الكتل السياسية، تُفرّغ الموازنة من مضمونها التنموي، وتُبقي فقط على الحد الأدنى من الإنفاق التشغيلي، لتأمين الرواتب، وضمان هدوء نسبي حتى موعد الانتخابات. أما المشاريع الكبرى، والبنية التحتية، والتوظيف، وتحريك السوق المحلية، فهي مؤجلة حتى إشعار آخر، أو بالأحرى حتى تتضح خارطة التحالفات المقبلة.

ومن جهة أخرى، فإن تحميل إقليم كوردستان وحده مسؤولية العجز المالي، يُعد تبسيطًا سطحيًا لمشكلة أعمق، تتعلق بفشل شامل في إدارة الموارد، وعدم الشفافية في إنفاق ما تم تخصيصه للمحافظات العراقية كافة، بما فيها الوسط والجنوب. فهل تم تدقيق الأموال السابقة؟ وأين هي تقارير التنفيذ والمحاسبة؟ ولماذا لا تُكشف أمام الرأي العام؟

إن استمرار هذا النهج في تسيير شؤون البلاد من قبل وزارة المالية، وبتغطية سياسية من الحكومة الاتحادية، سيؤدي إلى نتائج كارثية. فالدولة التي تؤجل موازنتها، تؤجل مستقبلها. والحكومة التي تُقصي أحد مكوناتها وتستخدم المال العام أداة ضغط، لا تبني وطنًا بل تعمّق الانقسام وتؤسس للتفكك.

على وزارة المالية أن تدرك أنها ليست جهازًا محاسبيًا يتبع القوى النافذة، بل مؤسسة سيادية مسؤولة عن إدارة أموال العراقيين جميعًا، بعدالة، وشفافية، وكفاءة. ومتى ما ضاعت هذه القيم، ضاع معها الاقتصاد، وسقطت الدولة في فخ الارتجال، والتسييس، والانقسام المالي.

كما إن استمرار وزارة المالية في التعامل مع إقليم كوردستان بمنطق العقوبة الجماعية وقطع التمويل كوسيلة ضغط سياسي، يُعد انتهاكًا لمبدأ العدالة المالية والدستورية. فالإقليم ليس خصمًا سياسيًا، بل جزءٌ لا يتجزأ من الدولة، يستحق الشفافية والإنصاف لا التهميش والإقصاء.

قد يعجبك ايضا