د . صباح ايليا القس
لم يستطع احد من الشعراء ان يصل الى ما وصل اليه هذا الشاعر العملاق ذو المقام العالي والمكانة المرموقة في تاريخ الشعرية العربية .. لكن هناك من قاربوه في بعض قصائدهم وموضوعاتهم .. اذ هو واحد وحده بما جاء به من قصائد وابيات وموضوعات وخيال وسبك ولغة وفصاحة وصور يقف المتلقي أمامها مذهولا ..
يبدو ان المتنبي لم يكن انسانا اعتياديا اذ يبدو عند قراءة شعره والاطلاع على الخبايا والخفايا انه رجل قد تثقف بثقافة عصره التي اشتملت على حفظ القرآن ودرس الحديث وما جادت به مرحلته من الفلسفات المترجمة فضلا عن الدرس اللغوي وحفظ شعر الشعراء السابقين من دون ان نبخل القدرة الذهنية وعبقرية الاستنتاج والتعليل والتحليل والابداع والطاقة الخلاقة فضلا عن طموح منقطع النظير مستعينا بالهمة والتوقد الفكري والأهم من كل ما تقدم سمو النفس نحو العلا تاركا صغائر الامور للعوام والضعفاء البسطاء من الشعراء .. فهو يجد نفسه انه وحيد عصره وملك زمانه ولا يمكن ان يضاهيه احد حتى انه قال لمن حاولوا الوصول الى شيء من اقتداره فقال :
أفي كل يوم تحت ضِبني شويعر
ضعيف يقاويني قصير يطاول
الضِبن = الابط وما تحته .
ومعنى البيت ان هناك كثيرين حاولوا واجتهدوا ان يصلوا الى ما هو عليه من مكانة في دنيا الشعر لا سيما ما يحصل عليه من مواقع وهدايا عند الشخصيات المتميزة في المجتمع كالخلفاء والقادة والامراء وغيرهم ولكنهم لم يحصدوا شيئا سوى بيت الهجاء هذا فهم أقصر من ان يصلوا الى إبطه اذ هم ضعفاء بالقابلية والطول ومن الواضح انه يقصد بالضعف والقصر الاقتدار الشعري وليس حقيقة الجسم واقعيا .
اشتمل المتنبي على نزعة خاصة لم يعرفها شاعر قبله فيه وفيها الكثير من معرفة الذات واقتدارها اذ تفرض طاقته الابداعية نفسها وحضورها على الجميع وهذ الابداع الذي يعرفه الجميع أحسن استغلاله الشاعر واستثماره في علاقته مع الممدوحين بغض النظر عن مقاماتهم فهو يجد نفسه وبضاعته في مرتبة تضاهي الملوك والسلاطين اذ أيقنوا بانهم بحاجة الى بضاعته وشهرته وطاقته الخلاقة .. فهم يبحثون عن مدائحه وهو يبحث عن الامجاد والمعالي ومن المحتمل انه كان يبحث عن قيادة او ولاية لا سيما انه كان معروفا بالفروسية والشجاعة وركوب الخيل والمبارزة ..
طاف على عدد من القادة والخلفاء والامراء ولكنه لم يجد مبتغاه عندهم فأحس بالخذلان والخسارة والاسف اذ وجد نفسه يمدح من لا يستحقون ومن هم دون المستوى في العقل والادارة والنباهة برغم ما يشتمل عليه من موهبة ومهارات فاستغرق في حب الذات ناكرا على الآخرين صفاتهم حتى قال :
أيَّ حملٍ أرتقـــي اي عظيم أتقــــي
وكل ما خلق الله وما لم يخلـــــــقِ
محتقرٌ في همتي كشعرة في مفرق
هكذا هم العظماء ولكن ألا يحق له ان يفتخر ويتعالى فمنهم من يؤيد ومنهم من يعارض ولله في خلقه شؤون