د . صباح ايليا القس
لو بقيت اكرر صفات الشاعر المتنبي على مدى عدة صفحات لما انتهيت من تعدادها ذلك لانه بلغ من الابداع درجة لا يضاهيه في الوصول اليها اي شاعر من القدماء او من اللاحقين , فهو جنس خاص واحد لا ولن يتكرر مهما اجتهد الشعراء للوصول الى عبقريته بل حتى التقرب من ذلك المقام السامي .
لم يقتصر الابداع عليه فهناك شعراء مبدعون في السابق واللاحق ولكن اي واحد منهم لم يصل الى درجة عبقرية المتنبي .. نعم هناك من ابدع في بيت وهناك من ابدع في مقطع وهناك من ابدع في قصيدة او غرض ولكن المتنبي فاق الجميع في اغلب قصائده على تعدد اهدافها ومراميها واغراضها .
فهو سامي الخيال , يخترع الصور والمعاني بما يناسبها من المفردات التي تليق بها وكذلك يشتمل شعره على الحكمة والفلسفة والحماسة اذ بلغ من المقام اعلاه فخورا بنفسه معتدا بكرامته , طموحا في احلامه وامنياته , شجاعا في مواقفه طامحا في آمال لم يستطع تحقيقها اذ تقلّب في المدح بين عدد من الامراء لكنه كان معجبا بسيف الدولة الحمداني ..
كان عظيما في ادبه وشعره وسلوكه اذ فرض على ممدوحيه ان يقرأ مديحه وهو جالس واشترط ألّا يقبل الارض بين يدي الممدوح وقد ارتضى كل الذين مدحهم بهذا الشرط استثناءً من هذا الشرط على الشعراء الآخرين . اذ اننا لا نعرف شاعرا فرض مثل هذا الشرط على الممدوح , بل نعرف ان اغلب الشعراء كانوا يقفون على باب الممدوح حتى يأذن لهم فاذا انتهى من قصيدته رمى له كيسا لينصرف الا الذين كانوا من ندماء الممدوح وفي حالات خاصة لم تكن قصيدة المدح عند المتنبي تخلو من الفخر بنفسه والفخر هو مدح الذات فهو على قدر ما يمدح يفتخر بنفسه ومقامه ولا يتذلل ويستجدي وانما يجعل نفسه احيانا على مقام واحد مع الممدوح نرى ذلك واضحا في قوله :
أمطْ عنك تشبيهي بما وكأنه فما أحد فوقي ولا أحد مثلي
ما اجمل هذا الفخر ومعنى ( أمِطْ ) ( أبعِدْ ) او ( اترك ) ولا تستعجل معي اسلوب التشبيه مع اي انسان فلا يوجد من هناك فوقي وليس هناك مثلي .. بمعنى انه وضع نفسه في موضع اعلى من الممدوح .
وهناك بيته المشهور الذي يمثل الشجاعة والفروسية باعلى صفاتها يقول :
الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم
في هذا جمع بين التحدي والقوة والشجاعة التي تمثلها الفاظ الخيل والليل والبيداء والسيف والرمح والاقتدار الادبي والشعري والعبقرية التي جاءت في لفظتي القرطاس ( الورق ) والقلم .
هذا البيت هو الذي قتله اذ كان قد هجا بني ظبة واتهمهم وقسى عليهم في الهجاء وشاع هجاؤه بين الناس فنوى آل ظبة قتله فقاموا برصد تحركاته حتى اذا كان في رحلة مع غلامه بالقرب من النعمانية في واسط هاجموه وحين رأى انهم اكثر عددا وانه بمفرده مع غلامه قرر الهرب من ساحة المعركة قالوا له ألست القائل .. الخيل والليل فلماذا تهرب ؟ فعاد الى قتالهم حتى قتلوه ودفن هناك .. وفي النعمانية له قبر معروف ومكان موصوف