كريم احمد يونس السورجي
بدأت فكرة الامتناع التشريعي تظهر في أحكام القضاء الدستوري ، بمناسبة تخلي المشرع عن اختصاصه ، بدأ الفقه يبحث في تحديد محتوى هذه الحالة ، لبيان ذاتيتها ومعرفة اطرها ، لما في ذلك من ضرورة في تحديد اثرها بوصفها حالة تثير عدم الدستورية بما يتطلب التصدي لها لمنع تحققها.
والوصول الى تحقيق الفرضية المتقدمة ؛ يتطلب أن نؤصل للأساس الذي يمكن للمحكمة أن تستند عليه في إجبار المشرع على تنظيم مسألة يفرض عليه الدستور ضرورة تنظيمها ، لأنه ليس من الصالح العام أن يتخلى عن واجباته فيؤدي إلى وجود فراغ تشريعي.
وحتى لا تكون معالجتنا قاصرة ، سوف لا نقف عند بيان ماهية الأصل الفلسفي لهذه الفرضية بل يتعدى بحثنا ذلك ليشمل الأصل القانوني لها ، حتى تُؤسس نتائج إثبات هذه الفرضية على قواعد علمية دقيقه تعكس الغاية من تشريعها.
أن المحتوى الحقيقي لحالة الامتناع التشريعي يتحقق في حالة تناول المشرع احد الموضوعات التي عهد إليه الدستور بتنظيمها إلا انه امتنع – سواء عن عمد أو إهمال – عن تنظيمها أو اتخذ من تنظيمها ذريعة للانتقاص منها أو التقييد من أثارها ، بما يؤدي إلى الإخلال بالضمانة الدستورية للموضوع محل التنظيم بعبارة أخرى أنه اتخاذ المشرع موقفاً سلبياً من اختصاصه الدستوري بعدم ممارسته كلياً أو جزئياً في حالات معينة أو لأسباب معينه 0
أو كما عبر عنه الفقه الفرنسي بالإغفال التشريعي الذي يتصل معناه بالحالة التي يكون فيها تنظيم القانون لا كما ينبغي أن يكون وفقا للقواعد و المعايير العامة للقانون والذي يتمثل في ثغرات تخل في تكامل النظام القانوني وآلياته.
وبالمعنى الواسع كما قصد به الفقيه الاسباني ” ” Juan Luis REQUEJO عدم وجود قاعدة محددة لقضية بعينها تحتاج إلى تنظيـــــــم ، نتيجـة لغياب متطلبات تنفيــــذ العمل الايجابي المفروض من قبل سلطة صنع الدستور على المشـــــــــرع بما ينجم عنه إغفــال غير دستوري.
ليذهب ” Michel MELCHIOR ” الى وصفه بالعيب الجوهري الناجم عن عدم امتثال المشرع لمبدأ الشرعية الدستورية ، بسبب عدم التقيد في الحكم المنصوص عليه في الوثيقة الدستورية أو كما عرفه” Denise TEIXEIRA DE OLIVEIR ” بوجود فجوة في القانون تمنع الممارسة السليمة للحق المكفول دستوريا 0
فيما يرى ” M. Luts” به فراغ قانوني ناجم عن عدم تأسيس المشرع لقاعــدة تُنظم مجال من مجالات الحياة أو كما عرفه ” Marek Safjan ” بعدم وجود الحلول القانونية التي يتطلبها الدستور ، بسبب الموقف السلبي للسلطة التشريعية لذا يمكن تصنيفها في فئة ما يسمى ” بالإغفال التشريعي”.
وهو ما نعته “GILMAR MENDES ” بالفجوة التشريعية الناجمة عن عدم امتثال المشرع لالتزام دستوري صريح يلزمه بالتدخل لجعل القواعد الدستورية فعالة كغياب موضوعات محددة من القانون خلافاً للدستور ينتج عنها فجوة بسيطة , فيما إذا انتهك المشرع الدستور من خلال إهماله تنظيم مسائل يخًل غيابها بالنظام القانوني بالمعنى الرسمي للكلمة نكون أمام فجوة جوهرية في التشريع.
فيما اصطلح عليه فقه أخر بفكرة عدم الاختصاص السلبي للمشرع إذا يعني بضرورة قيام هذا الأخير باستنفاذ اختصاصه التشريعي على اعتبار انه أكثر الهيئات العامة في الدولة قدرة على استجلاء جوانب المصلحة العامة , ويعني استنفاذ البرلمان لاختصاصه التشريعي ضرورة التدخل تشريعياً كلما استدعت المصلحة العامة ذلك , بحيث لا ينطوي النظام القانوني على فراغ تشريعي من أي نوع كما يعني عدم تخلي البرلمان عن جزء من اختصاصه للسلطة التنفيذية تحت ستار التفويض التشريعي إلا في الحالات وبالشروط المنصوص عليها في دستور الدولة
وهذا أمر – يعتقده فقه أخر – مغاير لفكرة الإغفال التشريعي الذي يتولى فيه المشرع تنظيم الموضوع , لكن يأتي تنظيمه قاصرا أو غير مكتمل الجوانب , وأيضا لفكرة السكوت عن تنظيم مسألة ما أو عدم التدخل بالتشريع في موضوع معين هو ما يسميه الفقه بالإغفال الكلي.
وهذه المغايرة بين الفكرتين هو ما أقر بها صراحةً وأكدها غيرهم من الفقه عندما رأى في الامتناع التشريعي – أو كما أصطلح عليه – بالإغفال أو السكوت التشريعي أنما ينُم عن إغفال جانب من جوانب الموضوع محل التنظيم بما يؤدي إلى الحد من فاعليته ، دون أن يكون مصحوباً بإحالة التنظيم إلى سلطة أخرى ، أما عدم الاختصاص السلبي للمشرع فإنه يشمل تخلي المشرع عن اختصاصه لصالح السلطة التنفيذية دون سند من الدستور.