د. جمال السعدي
في سابقة غير معهودة في تاريخ القضاء العراقي، قدّم عدد من أعضاء المحكمة الاتحادية استقالاتهم بشكل مفاجئ، مما أثار العديد من التساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذه الخطوة، خصوصا أن المحكمة تُعد أعلى هيئة قضائية في البلاد، وتتمتع بصلاحيات دستورية واسعة، وتؤدي دورا حيويا في ضبط إيقاع الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
تزامنت هذه الاستقالات مع أزمة تأخر صرف رواتب موظفي إقليم كردستان، و وسط تصاعد التوتر بين الإقليم والحكومة الاتحادية في بغداد، خاصة بعد إبرام عقود طاقة مع شركات أمريكية على خلفية زيارة رئيس حكومة الإقليم السيد مسرور بارزاني إلى الولايات المتحدة. وقد زادت هذه التطورات من حدة الخلاف بين الطرفين، مما يدفعنا إلى تحليل الأسباب المحتملة وراء الاستقالات، والتداعيات التي ترتبت عليها، خصوصا في ما يخص أزمة الرواتب والجوانب الاقتصادية والاجتماعية.
أولا: الأسباب المحتملة للاستقالة
تتصدر الضغوط السياسية قائمة الأسباب التي قد تكون دفعت الأعضاء إلى الاستقالة، وذلك على خلفية رفض المحكمة الطعن المقدّم من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ضد قرار المحكمة الصادر في كانون الأول 2023، والذي قضى بعدم دستورية القانون رقم 42 لسنة 2013، الخاص بالتصديق على الاتفاقية بين العراق والكويت بشأن تنظيم الملاحة في خور عبد الله.
وقد اعتبرت المحكمة أن التصديق على الاتفاقية تم بأغلبية بسيطة، بينما تنص المادة (61/رابعا) من الدستور على ضرورة التصديق بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب. وبذلك، تُعد الاتفاقية لاغية لعدم استيفائها شروط المصادقة الدستورية.
إلا أن حكومة السيد محمد شياع السوداني تقدّمت بطلب للمحكمة للعدول عن قرارها، وهو أمر مخالف للدستور والنظام الداخلي للمحكمة، إذ أن العدول ليس طريقا من طرق الطعن، ولا يرد على القرارات الباتّة، بل يقتصر على المبادئ القانونية وفي سياق دعاوى منظورة فقط، لا بطلب مباشر.
ثانيا: تداعيات الاستقالات على أزمة الرواتب
قدّم عدد من موظفي إقليم كردستان في 1/6/2025 شكوى إلى المحكمة الاتحادية، مطالبين باستصدار أمر ولائي يُلزم وزارة المالية بالاستمرار بصرف رواتبهم في موعدها المحدد، بناء على قرار سابق للمحكمة. إلا أن استقالات الأعضاء شلّت عمل المحكمة، مما أدى إلى تأخر البت في الطلب، إلى حين حسم مصير الاستقالات، سواء بالعدول عنها، أو بعدم قبولها، أو من خلال تعيين أعضاء جدد من قبل مجلس القضاء الأعلى، استنادا إلى المادة (3) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم 30 لسنة 2005 المعدل بالقانون رقم 25 لسنة 2021، والتي تنص على:
“تتكون المحكمة الاتحادية العليا من رئيس وثمانية أعضاء يُعيَّنون من قبل مجلس الرئاسة بناء على ترشيح من مجلس القضاء الأعلى، وبالتشاور مع المجالس القضائية في الأقاليم…”
ويستتبع ذلك أداء اليمين الدستورية وإصدار مراسيم التعيين من قبل رئاسة الجمهورية، وفي حال تعذر ذلك، يتولى رئيس مجلس النواب المهمة خلال مدة لا تتجاوز 15 يوما.
وبمراجعة قانون المحكمة، لا نجد أي مادة تنظم آلية التعامل مع استقالة أعضائها، مما يضيف مزيدا من التعقيد والارتباك، وقد تضطر المحكمة إلى الاحتكام إلى قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 كحل مؤقت.
ثالثا: التداعيات السياسية والاقتصادية
إن لهذه الاستقالات تأثيرا مباشرا في تأخير حسم القضايا العالقة بين الإقليم والمركز، وعلى رأسها حصة الإقليم من الموازنة وما يرتبط بها من صرف الرواتب، الأمر الذي يعمق الأزمة السياسية ويزيد من فقدان الثقة بين الجانبين. كما يُلقي بظلاله السلبية على البيئة الاستثمارية في العراق، ويجعلها طاردة للاستثمار، خاصة في المناطق المتنازع عليها أو تلك التي تتطلب حسما قانونيا من المحكمة الاتحادية.
الخلاصة:
تُظهر استقالة أعضاء المحكمة الاتحادية أنها لم تكن قرارا عابرا أو وليد اللحظة، بل نتيجة لتراكمات وضغوط سياسية انعكست على أداء المؤسسة القضائية العليا في البلاد. وللخروج من هذا المأزق، لا بد من احترام نصوص الدستور التي منحت المحكمة الاتحادية صلاحيات تمكنها من حماية الحقوق والحريات وإرساء دعائم النظام الديمقراطي.
أما بشأن الاستقالات، فإن عدم تراجع الأعضاء عنها يفرض ضرورة الإسراع في تعيين بدلاء، لأن استمرار الفراغ الدستوري يعمّق معاناة موظفي الإقليم، لا سيما أن هذه الأزمة ترافقت مع مخاوف من توسّع الحرب مع إيران، وانعكاساتها على العراق بوصفه دولة ريعية تعتمد على تصدير النفط.
ورغم أن الحرب قد توقفت، فإن بادرة الشكر التي عبّر عنها رئيس حكومة الإقليم السيد مسرور بارزاني لرئيس الوزراء، واتصاله برئيس مجلس القضاء الأعلى، وإرسال وفد من الإقليم إلى بغداد خلال الأيام المقبلة، تُمثل بصيص أمل لإيجاد حلول للمشكلات العالقة.
كما أن الإسراع في تشريع قانون اتحادي دائم ينظم عمل المحكمة الاتحادية، استنادا إلى المادة (92) من الدستور، بات ضرورة مُلحة، خاصة أن المحكمة ما زالت تعمل بموجب القانون الانتقالي رقم 30 لسنة 2005، مما يجعلها تبدو وكأنها هيئة مؤقتة منذ نحو 20 عاما.