إيران وإسرائيل.. نار السماء ورهانات الأرض

صبحي المندلاوي

بين طهران وتل أبيب لا يجري الآن مجرد تبادل ناري للصواريخ والمسيرات، بل إعادة رسم لمعادلات المنطقة وحدودها غير المرئية. التصعيد الأخير لم يكن وليد لحظة انفعال، بل ثمرة سنوات من التحضير الاستخباري والعسكري، وذروة صراع ظل يتخمر تحت الرماد حتى انفجر عبر عمليات جوية دقيقة ومركزة، من أشد ما شهدته الساحة الإقليمية إيلامًا.

لأول مرة منذ عقود تجد طهران نفسها مكشوفة في عمقها الجوي، إذ شنت إسرائيل، عبر طائرات شبحية ومسيرات هجومية، سلسلة هجمات استهدفت مواقع الحرس الثوري ومنشآت عسكرية ومقرات تابعة لعلماء في مجال الطاقة النووية. لم تكن هذه العمليات مجرد رد فعل أو استعراض قوة، بل جاءت لتحقيق أهداف استراتيجية مركبة.

من بين أبرز هذه الأهداف: ضرب العصب العلمي المرتبط بالمشروع النووي الإيراني. فالعلماء في هذا السياق ليسوا موظفين فحسب، بل يمثلون جوهر الرؤية الإيرانية في الهيمنة الإقليمية. أما الهدف الثاني فهو إثبات السيطرة الجوية في رسالة واضحة للداخل الإيراني بأن النظام لم يعد بمأمن، وللخارج بأن إسرائيل قادرة على الضرب في عمق أي عاصمة معادية متى شاءت.

إيران، وكما هو متوقع، لم تصمت. ردت بصواريخ ومسيرات استهدفت تل أبيب ومدنًا أخرى. ومع أن بعضها اخترق الدفاعات الجوية، فإن التأثير الفعلي ظل محدودًا قياسًا بالخسائر التي تكبدتها إيران على الصعيدين البشري والتكنولوجي. ومع ذلك، من الخطأ اختزال إيران بدور الضحية فحسب، فهي ما تزال تمتلك بنية ردع فعالة.

في قراءة أوسع للمشهد، نحن أمام حرب استنزاف لا معركة إسقاط. إسقاط النظام الإيراني ليس هدفًا واقعيًا في الظروف الحالية، لكنه أيضًا ليس خارج تفكير بعض الدوائر في المدى الأبعد. الهدف المباشر الآن هو تفكيك منظومة الردع الإيرانية، وإضعاف نفوذها الإقليمي، وضرب الثقة الداخلية بقدرة النظام على الحماية، وإشغال طهران بما يكفي لحرمانها من القدرة على التدخل في الملفات الخارجية مثل العراق وسوريا ولبنان.

لكن إيران تدرك ذلك تمامًا، وتحاول الحفاظ على امتداد أذرعها الإقليمية من خلال أدواتها المتحالفة في دول الطوق. وما يجري اليوم ليس مجرد صراع بين نظامين، بل زلزال سياسي يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط. وكما في كل زلزال، فإن الموجات الارتدادية قد تضرب الجميع.

العراق سيكون في مقدمة ساحات الاختبار، إذ من المرجح أن يشهد ضغوطًا أمريكية وإسرائيلية متزايدة لكبح وكلاء إيران. أما في سوريا ولبنان، فستتوقف الأمور على حجم التصعيد، وقد نشهد انكماشًا للدور الإيراني أو انخراطًا أكبر في المواجهة، حسب اتجاه المعارك.

صحيح أن المخطط الإقليمي، بقيادة إسرائيل وبدعم غربي وعربي، نجح إلى حد كبير في تقليص نفوذ إيران عبر استهدافات مركزة لحزب الله في لبنان، ولمواقع الحرس الثوري في سوريا، وتحجيم الحوثيين في اليمن، إلا أن إيران لم تُهزم بعد. ما زالت تمتلك القدرة على قلب الطاولة إذا ما شعرت أن وجودها مهدد.

نحن أمام صراع مفتوح لا يُحسم بسهولة. إسرائيل تتقن الضربات الدقيقة، وإيران تجيد الصبر والضرب تحت الحزام. من يظن أن أحد الطرفين سيسقط سريعًا لا يعي طبيعة هذا الصراع المعقد المتشابك.

في سماء طهران المضطربة وتل أبيب المتحفزة، تخوض المنطقة جولة جديدة من صراع عمره عقود. الجولة الحالية، وإن بدت في صالح إسرائيل من حيث المبادرة، إلا أنها ليست الأخيرة. إيران ليست دولة ضعيفة بالمفهوم العسكري، لكنها باتت تشعر أن مجالها الحيوي يضيق، وأن حلفاءها يُستنزفون، وأن شبكتها الإقليمية تتعرض لاستهداف ممنهج.

الرسالة الأهم اليوم: من لا يواكب التحولات بعقل مفتوح سيجد نفسه خارج التاريخ. أما من يُجيد قراءة موازين القوى، فإنه قادر على تحويل المحنة إلى فرصة، والتهديد إلى رافعة.

قد يعجبك ايضا