فينوس بابان
شهدت عاصمة إقليم كوردستان، أربيل حدثاً تجاوزت أبعاده الجغرافية والسياسية حدود اللحظة بوضع رئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني،الحجر الأساس لصرح إسلامي وعمراني،يُعد من بين الأكبر والأبرز في المنطقة والعالم، إن إشراف ورعاية رئاسة الحكومة لهذا المعلم الروحي الكبير لا يُمثل مجرد إضافة إلى السجل العمراني المتميز للإقليم كوردستان بل هو إعلان سيادي واستراتيجي يضع كوردستان في قلب الخارطة الثقافية والحضارية للعالم الإسلامي كمنارة للاعتدال والوسطية، ومع ذلك وكشأن كل المنجزات التاريخية الكبرى التي تثير حركية النقاش العام وتكشف معادن المواقف، انشغلت بعض المنصات بمحاولة حصر هذا الحدث الاستثنائي في زاوية التفسيرات اللغوية الضيقة لخطاب الافتتاح متغافلة عمداً أو جهلاً عن العمق الفلسفي والسياسي لرسالة رئيس الحكومة التي ربطت بوعي رجل الدولة بين الوجدان الديني والانتماء الوطني.
إن قراءة الخطاب السياسي والبروتوكولي في المحافل الكبرى تختلف جذرياً عن قراءة المتون الفقهية التخصصية، فرئيس الحكومة يتحدث بلسان المقاصد الكلية التي تجمع الشمل وتصون الهوية المشتركة وتبني عقيدة الاستقرار المجتمعي، وحين أشار السيد مسرور بارزاني في كلمته إلى التلازم الوجودي بين الوجدان الديني وحب الوطن، مؤكداً أن حب الأوطان ينبثق من صلب رسالة السماء فإنه لم يكن بصدد تقديم درس أكاديمي في تخريج الألفاظ الحرفية بل كان يُرسخ حقيقةً فلسفية وإيمانية كبرى تُحاكي غريزة الإنسان وتدعم بقاء الدول ومؤسساتها.
إن محاولة بعض منصات التصيّد وضع هذه الكلمات في إطار التدقيق الحرفي الضيق وعقدة اللفظ تعكس فجوة عميقة في فهم الدبلوماسية الروحية التي تنتهجها رئاسة الحكومة. فالقائد هنا يرى الدين مظلة للبناء، وعمارة الأرض والذود عن المكتسبات، ليغلق الباب رداً على كل الآيديولوجيات المتطرفة التي حاولت تاريخياً تشويه جوهر التدين وعزله عن حب الأرض والوفاء لها.
إذا ما أردنا تفكيك العمق الإيماني والشرعي لرسالة رئيس الحكومة، سنجد أن القرآن الكريم في محكم تنزيله قد تجاوز عقدة الحرف ليرسخ قرآن المقاصد الذي جعل من الوطن والديار رديفاً مساوياً للنفس والدين في القيمة والمكانة والقدسية:
ميزان الفطرة والديار (سورة النساء): في الآية الكريمة: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ}، قرن الله عز وجل بين مفارقة الأوطان (الخروج من الديار) وبين سلب الحياة (قتل النفس). هذا الربط الإلهي المعجز يثبت شرعاً أن التعلق بالوطن وحبه هو غريزة فطرية مقدسة تساوي الروح، وصيانتها هي صيانة للدين ذاته.
التلازم بين العقيدة والأرض (سورة الممتحنة): ويأتي البيان القرآني الحاسم في قوله تعالى: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ}، حيث وُضعت جريمة الاعتداء على الأوطان وإخراج الناس من ديارهم في كفة موازية تماماً وجريمة القتال في الدين. هذا التلازم الشرعي يؤكد أن حب الأوطان والدفاع عن سلامتها واستقرارها ليس ترفاً فكرياً بل هو واجب أصيل ينبثق من عمق العقيدة المقاصدية.
ولا يبتعد هذا الوعي السيادي عما رسخته التقاليد النبوية الشريفة، فحين وقف النبي ﷺ على مشارف مكة المكرمة مودعاً إياها بكلمات تفيض حنيناً وارتباطاً بالأرض: ما أطيبكِ من بلد وأحبكِ إليّ، كان يضع الأساس الفعلي لقيمة المواطنة والانتماء. إن هذا الهدي الروحي هو ما التقطه خطاب رئيس الحكومة بذكاء وحس وطني رفيع ليعيد التأكيد على الموروث الفكري الإسلامي المعتدل الذي يرى في استقرار البلاد عبادة وعمارة.
لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل هذا الإنجاز التاريخي عن سياقه الأمني والحضاري؛ فإقليم كوردستان الذي خاض بالأمس القريب معارك وجودية نيابة عن العالم الحر ضد تنظيمات الظلام والتطرف التي عاثت في الأرض دماراً وتخريباً للمقدسات والمساجد يقدم اليوم، برؤية وتوجيه مباشر من السيد مسرور بارزاني رداً حضارياً حاسماً، إن بناء هذا الصرح هو إعلان لانتصار فكر الإعمار على فكر الدمار وتحويل أربيل إلى مركز جذب ثقافي ومعماري وسياحي عالمي يضاهي الحواضر الكبرى.
من الناحية البروتوكولية والدبلوماسية، يمثل هذا الجامع الكبير أحد أدوات القوة الناعمة للإقليم، إذ يرسل رسالة للعالم أجمع بأن أربيل هي واجهة الاستقرار والتعايش السلمي، وهنا تتضح ازدواجية المعايير وعقدة النقص لدى منصات التشويش، فالذين يعجزون عن مجاراة حكومة الإقليم في مشاريعها الاستراتيجية والتنموية الشاملة يحاولون الاختباء خلف عبارات مجتزأة وتأويلات مأزومة للتشويش على حقيقة النهوض الروحي والاقتصادي للإقليم.
في المحصلة تظل الصروح الكبرى والمشاريع الاستراتيجية الحية شاهدة على همم الرجال وعمق رؤيتهم للمستقبل والتاريخ لا يتوقف أبداً عند السجالات اللفظية العابرة، بل يخلّد من يبني ويحمي ويصون هوية شعبه الروحية والوطنية. لقد أثبت رئيس حكومة إقليم كوردستان من خلال هذا الإنجاز التاريخي ومن خلال خطابه المقاصدي الشامل، أنه يتحرك برؤية القائد المخلص الذي يفحم المتصيدين بالحقائق على الأرض، ومع تلاشي الأصوات الصاخبة في هوامش النقاش الضيق، ستبقى مآذن هذا الصرح العظيم في أربيل تصدح بالسلام والاعتدال وستظل كلمة القيادة وثيقة سياسية وأخلاقية تؤكد أن عمارة الأرض وحفظ الأوطان هما أسمى تجليات الإيمان وعقيدة الدولة الراسخة.