72 بالمئة

 

 

أحمد عبد المجيد

 

تعكس المشاركة الواسعة للمقترعين في اي انتخابات، وعياً وطنياً في امكانية تغيير الأحوال واستبدال القابضين على السلطة، عبر الآليات السلمية التي وضعتها فلسفة الديمقراطية. كما تعكس عمق صلة القوى والاحزاب التي تخوض الممارسة الانتخابية بالقواعد الشعبية التي يفترض ان تكون واسعة. وكلما كانت نسبة الاقتراع عالية كانت العملية الانتخابية برمتها دالة على ثقافة عميقة محتواها الثقة بالاختيار وجدارة الفائز بالمنافسة، من منطلق انه يمثل صوت الناخبين ويحمل تطلعاتهم. وبهذا المعنى، فاننا ندرك ازدياد ثقافة المواطنين الكورد وتفتّح عقولهم، وعلى حد وصف العلامة علي الوردي، فانه كلما تحقق هذا المبدأ ضعف أثر التنويم الاجتماعي وقلت مخاطره.

 

لقد ضربت إنتخابات اقليم كردستان التشريعية، مثالاً حياً على نجاح قوى الاقليم في ارضاء المواطنين بالنهج المعتمد في الادارة والقدرة على ترجمة الاقوال الى أفعال، كما اكدت القبول الكامن لدى القواعد على تحقيق البرامج التي وعدت بها القوى الرئيسة، خلال عقود او دورات برلمانية سابقة.

 

وأهمية هذه الممارسة التي جاءت بعد تأخير نحو سنتين عن موعدها الدستوري، انها شهدت مشاركة غير مسبوقة، محلياً وعربياً ودولياً. فالمراقب يعرف ان معظم المشاركات في أعتى الديمقراطيات، لم تسجل حضوراً للمقترعين يتجاوز 60 بالمئة في أفضل الأحوال، بل ان بعض الديمقراطيات العريقة في اوربا واسيا وامريكا، لم تصل الى هذا السقف من المشاركة، بل اؤكد ان الانتخابات الرئاسية الأمريكية، في معظم حقبها، لم تسجل ارقاماً مئوية من هذا النوع، وأزيد ان بعضها لم يشهد سوى مشاركات متواضعة او متدنية، بحيث يمكن القول دون تحفظ، ان بعض الرؤساء فازوا بأقل من 10 بالمئة من اصوات المقترعين، اذا افترضنا ان المشاركة تبلغ 20 بالمئة.

 

فما الذي جعل مواطني الاقليم يقبلون على صناديق الاقتراع بهذه الكثافة؟ وما هي الاليات التي اعتمدت لحث الناخبين أو المسجلين، على المشاركة بحيث وصلت النسبة الى 72 بالمئة، بزيادة كبيرة نسبياً عن الدورة الانتخابية لبرلمان الاقليم، قبل ست سنوات؟

 

الجواب بسيط بالنسبة للشق الأول، فالمواطن يريد من برلمانه ان يختار حكومة خدمات وتدبّر وتحسّب مستقرة، وربما تحقق له ذلك بنسبة عالية باختيار حكومة وادارة تنفيذية في مقدمتها الرئيس نيجرفان البارزاني تحرص، كل يوم، على تقديم برامج عملية ومشاريع تنموية وتلبي احتياجات حيوية. ولعل الذين يزورون مدن الاقليم، غالباً ما يطلعون على تحولات في المشهد وانجازات مفقودة او مفتقدة في المدن والمحافظات خارج الاقليم.

 

بل وغالباً ما يجري الزائر مقارنات واقعية بمستويات الانجاز والخدمات ويتمنى، بصوت مسموع، ان تترجم الحكومة الاتحادية في بغداد برامجها بالسرعة والكفاءة التي تتسم بها برامج حكومة الاقليم، فضلاً عن قدرة الأخيرة على معالجة الازمات وتدارك تفاقمها، ولاسيما تلك التي تتعلق بالتفاهمات المتذبذبة بين بغداد وأربيل. فالمواطن يتابع مسار هذه الحكومة ويدرك المصلحة في دعمها وتأكيد اختياره لها عبر الانتخابات التي تتسم بالشفافية والدقة وتوفر متطلبات النجاح.

 

أما بالنسبة للشق الثاني، فاني أحث مراكز البحث العلمي والجامعات ومراكز استطلاع الرأي، على دراسة البيئة التي مهدت الى الانتخابات وحصدت المشاركة العريضة، واقصد هنا الاجواء العامة التي تُشعر المواطنين بالاطمئنان للحضور الى مراكز الاقتراع والايمان النابع من الثقة بالنفس والقدرة على احداث التغيير المنتظر، وأرى ألا أهمية للحديث عن فائز ومتراجع وخاسر، فشعب كردستان هو الفائز والمكتسح. كما أدعوها لتقديم التوصيات المستخلصة من تجربة انتخابات الاقليم، لافادة القوى والاحزاب غير الكردية، التي تنوي خوض الانتخابات التشريعية المقبلة في بغداد والمحافظات. فذلك مهم اذا تذكرنا ان نسبة المشاركين في انتخابات 2022 لا تتعدى 14 بالمئة.

 

ان 72 بالمئة ليس رقماً عابراً ولا نسبة تتطلب الدراسة حسب، بل تاريخ وتجربة ونجاح ورسالة، يتعين ان نفهم مغزاها ومعناها ومبناها. فهل نحن فاعلون؟

قد يعجبك ايضا