د . صباح ايليا القس
في مقال سابق تحدثنا عن شاعرية بديع الزمان الهمذاني او الهمداني هكذا ورد اسمه في كتب التراث بالدال حينا وبالذال حينا آخر .
وفي هذا المقال أحببت ان اتحدث عن نثره فهو واحد من اصحاب الفن النثري المعروف ( بالمقامات ) هذا الفن الذي ازدهر في القرن الرابع الهجري وتميز فيه الهمذاني والحريري ولهما فيه ابداع وقصص وكذلك هناك دراسات وكتب كثيرة في هذا الجانب .
الهمذاني كاتب شاعر وليس في ذلك ضرر ان يجيد الادب اكثر من فن من الفنون الادبية فهو كاتب يقول الشعر او شاعر يكتب النثر والمبدع حقا هو من يجيد الصناعتين وفي تقديري انه مهما بلغ من الشاعرية فهو لا يستطيع ان يوازي الشعراء المعروفين وفي الحقيقة انه ابدع في النثر واجاد فيه لا سيما المقامات فلم يستطع ان يقاربه سوى الحريري في الابداع , فهما في هذا الجانب لا يمكن ان ينافسهما احد .
كان الشعر سيّد القول وفارس الميدان لا يكاد يضاهيه في الابداع اي قول آخر حتى جاء القرن الرابع وفيه صار للكتابة مبدعون حتى بلغت درجة من الصناعة والعناية باناقة الالفاظ وحسن ترتيبها وتدبيرها من دون انتقاص من معانيها ودلالاتها مع التباهي بالصياغة الاسلوبية ..
والكتابة حينها فضلا عن ما عرف عنها من امور الدواوين الحكومية والمراسلات إلا انها عالجت الموضوعات التي عرفها الشعر مثل الغزل والوصف والمدح والهجاء الى غير ذلك ..
لا يمكن انكار ان النثر هو غير الشعر , فالشعر حينها له قيوده المعروفة كالوزن والقافية ولكن النثر اكثر حرية في التعبير لذلك اتسع المجال امام الكتاب المبدعين لتسجيل ما يعانيه القلب او تسرده الخواطر وما يسجلونه من اقوال وحكايات فضلا عن الامور الخاصة من مفارقات ومداعبات ونكت والغاز .
واهم ما عرف عن بديع الزمان انه اشتغل على امرين من امور النثر هما الرسائل والمقامات اذ ان الهمذاني لم يكن يعمل في دواوين الدولة لذلك لم تكن مكاتبات امور الدولة من هواجسه فانطلق في الرسائل والمقامات وابدع فيهما .
والرسائل هي افكار خاصة في موضوعات متباينة يعالجها ضمن رؤيته الشخصية مضيفا اليها ما يعتمل في فكره وقلبه بحيث يغطي الجوانب كلها فتكون اقرب الى الكمال لا سيما انه يمنحها من اساليب البيان ما يجعل القارئ يتعلق بجمال الكتابة مع حسن التصوير فتنقل عبر طرائق البيان فلا هو يتكلف ولا القارئ يشعر بالملل يقول في بعض السلاطين ( قد علم الشيخ ان ذلك السلطان سماء اذ تغيم لم يرج صحوه وبحر اذا تغير لم يشرب صفوه وملك اذا سخط لم ينتظر عفوه فليس بين رضاه والسخط عرجة كما ليس بين غضبه والسيف فرجة ) .
هذا مقطع قصير من هذه الرسالة التي يصف فيها سلطانا او ملكا او قائدا وفيه يحذر المتعاملين معه وينذرهم من ( غيمه ) بمعنى غضبه حينها لا يمكن الوقوف امامه لانه لن يصفو بسرعة وكذلك يصفه بالبحر الهائج فكيف يمكن الشرب من بحر لا يعرف له قرار او محادثة امير او حاكم وهو خارج نطاق السيطرة فلا يمكن ادراك خيره من شره ويكرر الوصف ويصرح بصفة الملك قوة وبأساً وشدة وكيف بملك اذا سخط وزعل وبين الزعل والعفو مسافة من الصبر والانتظار وفي هذه المسافة تكثر التوقعات ويزداد القلق بانتظار الفرج الذي يأتي وربما لا يأتي .
وأخيرا يطلق الهمذاني خاتمة المقطع فهذا الملك لا يمكن ان تعرف عنه صفة دائمة ثابتة فهو دائم القلق متغير المزاج يصعب التعامل معه والناس منه في خشية وحسبان وعنده الامر بين الحق والبطلان .
ولنا الحديث عن المقامة في مقال لاحق إن شاء الله .