د . صباح ايليا القس
الشعر هو النتاج الواقعي الذي يعبّر ويصور الواقع المعيشي لاية امة عرفت الشعر ودونته وجعلت له مقاما كبيرا في تراثها التاريخي لا سيما الادبي منه .
والشعر فضلا عنه انه تصوير للحركة والنشاط الانساني الا انه احيانا يعيش جوهر الحياة بخصوصية فردية تستوحي خلجات النفس ومعاناة الفرد او ان تكون رسما للعلاقات الانسانية ضمن المتعارف عليه في ذلك المجتمع ..
ولا يُعنى الشعر بالخوارق لكنه يتطرف احيانا فيرى الشاعر في نفسه انه فوق الآخرين في القدرة على التعاطي مع الالفاظ والمعاني والصور والصياغات وحتى استجلاء ما وراء الطبيعة ولهذا ظن بعض الناس ان لكل شاعر جناً يلقنه وجعلوا من وادي عبقر في الارض العربية موضعا للجن يعتمد عليهم الشعراء في اصدار التأملات واستبطان المعارف وفلسفة الحكمة ..
قصيدة الشعر هي الانتاج القولي للشاعر وهي كينونة متكاملة من الالفاظ والمعاني والافكار والاوزان بحسب المعايير التقليدية التي تتجاوز التطور في بعض هذه القوانين او الالتزامات .
وللشاعر الحرية الكاملة لا سيما في لحظة الالهام ان يختار موضوعا او عدة موضوعات ضمن القصيدة الواحدة وله حرية اختيار الوزن الذي يناسب احيانا طبيعة القول او الموضوع الذي يعالجه مع علمنا ان القصيدة التقليدية لا سيما الجاهلية تشتمل على اكثر من موضوع ومعنى ولكن الشاعر يُحسن التخلص من الموضوع الى آخر بانسيابية بوساطة ابيات تسهل له عملية الانتقال من موضوع الى آخر .
الادب الابداعي هو مصدر النظريات ولا يمكن ايجاد تنظير يبتعد عن التطبيق او لا قيمة لاية نظرية من دون تطبيقات تدل عليها . وحيث قلنا ان الشعر ابن المجتمع فانه لا يمكن ان يخضع دائما للقيود التي يجتهد النقاد في رسمها والتدليل على امثلة عليها فهناك دائما اشعار هي خارج اسوار التحديد بل وهناك شعراء كانت لهم براءة الاختراع والتميز في جانب على حساب جوانب اخرى فهذا ابو نواس وهذه خمرياته وهذا المتنبي وهذه مدائحه وهذا ابو العلاء المعري وهذه فلسفته والقائمة تطول في التشخيص .
مهما اجتهد النقاد في رسم الحدود والقيود فان هناك من الشعراء من يخرق هذه الدائرة المغلقة ويسبح بعيدا ليؤسس منهجا آخر لنفسه يعد تجديدا وابداعا خاصا ولاحقا يكون له مقلدون وهكذا هي الحياة في تطورها الابداعي لا يمكن ان تحكمها القوانين لان الحياة برمتها تتطور وتتجدد ولا بد ان تشرق الشمس ليكون هناك يوم جديد يخرق الرتابة ويرفض السكون .
يقول هرقليطس الفيلسوف اليوناني ما معناه ان الانسان لا يمكن ان ينزل الى الماء ويغتسل بالماء نفسه في يوم وآخر بل بين دقيقة واخرى اذ ان الماء لا بد ان يكون قد استبدل بآخر بوساطة الجريان الدائم .. ومعنى هذا ان الانسان يتجدد والحياة تتجدد ايضا وهذا الامر يشمل الحركة الانسانية برمتها ..
الشعر بوصفه نتاج انساني لا بد ان يشمله التطور والتغيير وهذا ما نلحظه عبر التاريخ ونحن نطالع الحركة الشعرية العربية ابتداء من العصر الجاهلي وحتى يومنا هذا لنتأكد ان الشعر تطور حيث تطورت المعيشة والطبيعة والثقافة والاستقرار ولكن لن يتوقف التطور والتجديد ما دامت الحياة في مسيرتها الانسانية دائمة الحركة لا سيما التسارع في النشاط الذي هو سمة العصر .