اللغة والواقع  

 

 د . صباح ايليا القس

 

الانسان ابن بيئته الانسانية ولا يمكن ان يكون وحيدا فريدا في هذا الكون اذ لا بد من العلاقة بين الاهل والاقارب والجيران سواء جيران المنطقة او جيران المدن وكلما توسعت العلاقة بين الانسان وأخيه الانسان اينما كان وفي اي بلاد سكن واي لغة تكلم فلا بد ان يظهر اثر هذه العلاقة في التبادل والتأثر والتأثير اللغوي .. وليس في ذلك ضرر على الجانبين بل ان هذا يعد من الاثراء اللغوي وعلى هذا فلا يمكن أن توجد لغة واسعة الانتشار خالية من مفردات اللغة او اللغات الاخرى لا سيما المجاورة لها ..

يكون هذا التأثر و التأثير عن طريق الزيارات والتبادل التجاري او حتى عن طريق اسرى الطرفين لا سيما في الحروب او استثمار الخبرات في مجالات الحياة المتعددة .. ويمكن ان نلحظ اثار هذا التلاقح اللغوي قديما وحديثا في النتاج الادبي الذي وصلنا مكتوبا بعد ان كانوا يتوارثونه شفاها بعد عصر التدوين بالنسبة للغة العربية في بداية العصر العباسي ..

يظهر هذا جليا عند من اعتنى بصناعة المعاجم وتدوينها وترتيبها ومعاني المفردات واشتقاقها اللغوي وتأصيلها لغويا وما هو مصدرها وكان صناع المعاجم من النزاهة بحيث اشاروا الى المصدر اللغوي لبعض المفردات واعترفوا بانه تم تعريبها بمعنى ان اصلها اللغوي لم يكن عربيا بل ان الحاجة اليها جعل العرب يستعملونها في كلامهم واصبحت متداولة في الادبيات والكلام الاعتيادي وهناك كتب متخصصة في هذا المجال مثل كتاب المعرّب للجواليقي .

الانسانية تفرض حضورها في العلاقات برمتها بين اعضاء المجاميع المتجاورة سواء كانت من أصل واحد او من اصول اخرى فعلى سبيل المثال فان القبائل العربية كانت تعيش شبه عزلة عن بعضها لتباعد مواضعها ولذلك ظهرت لنا لهجات خاصة تتميز بها قبيلة دون   اخرى .. نعم هي ضمن اللغة العربية العام هناك لهجة قريش التي فرضت حضورها على اللهجات الاخرى لانها لغة القرآن بينما هناك لهجات اخرى اصبحت لاحقا موضوع دراسات عليا مثل لهجة تميم ولهجة هذيل ولهجة تغلب وهناك لهجات اخرى اشتغل عليها الدارسون القدماء وسجلوا ما يميزها عن اللهجات الاخرى حتى انها اخذت حقها في الدراسات الحديثة ليس في العراق فقط بل في الجامعات العربية والاجنبية ممن تهتم بمثل هذه الموضوعات ..

لا بد من الاعتراف بالجهود التي بذلها الاقدمون ممن وثقوا اللغة العربية وسجلوها على قراطيسهم ونقلوها من اللغة الشفاهية الى لغة مدونة مكتوبة كما نلاحظ ذلك في المخطوطات التي وصلت الينا منذ عصر التدوين في بداية العصر العباسي ..

كما لا بد من الثناء على اولئك الخطاطين والنساخ الذين كانت وظيفتهم النقل فقط اذ لم تكن الطباعة قد عرفت حينها ولا بد من استذكار من وضعوا التنقيط والحركات حيث يذكر التاريخ ان الامام علي ( ع ) اوصى ابا الاسود الدؤلي ان يستعمل النقط لتمييز الحروف وكان اول من وضع النقاط على الحروف لتلافي الخلط في المعاني كما وضع الحركات الاعرابية لاحقا لتميز المواقع الاعرابية في الجملة لايضاح  الفاعل والمفعول والمرفوع والمجرور والمنصوب .

وفي العصر الحديث ظهرت دراسة تعنى بتحقيق المخطوطات لا سيما مع وجود مخطوطات متعددة لكتاب واحد لنسّاخ متعددين وغرض الدراسة الخروج بكتاب يخلو من الاغلاط على قدر المستطاع وما تزال الجهود تبذل لاخراج تلك المخطوطات بعد دراستها وتحقيقها بصورة تناسب العصر .

تحقيق النصوص والمخطوطات علم ودرس قائم ليس في مجال اللغة فقط بل في العلوم الاخرى ايضا فكما هناك كتب متخصصة في اللغة العربية هناك كتب في الدين والتاريخ والطب والفلك والرياضيات والفلسفة وغير ذلك من المخطوطات التي شملت الموسيقى والقصص ايضا .

 

قد يعجبك ايضا