حديث في اللغة

 

د . صباح ايليا القس

 

اللغة العربية مثل اللغات الاخرى تعبر عن حياة المتكلمين بها ويمكن معرفة طبيعة حياة الناس عن طريق دراسة لغتهم اذ هي وسيلة تصوير ما تتطلبه حياتهم اليومية من وجوهها المتعددة ولا سيما التعاملات اليومية وطبيعة معيشتهم فضلا على اهتماماتهم المتعددة وهي بالتأكيد تنقل للآخرين مستوى تفكيرهم العقلي والعاطفي والسلوكي .

الحركة الاجتماعية وتطور اساليب العيش والاستقرار المكاني جديرة بأن تثري الالفاظ بحمولات عقلية تناسب ما يعالجه العقل من مستجدات .

عند العودة الى منابع اللغة العربية ولا سيما في العصر الجاهلي يكون من المفيد دراسة طبيعة حياة الجاهلية من احوالها المعروفة وغير المعروفة للوصول الى سبب خشونة تلك الالفاظ التي لا نستطيع ان نفهمها الآن الا بالرجوع الى المعاجم اذ ان اغلب تلك الالفاظ غادرت الاستعمال اليومي والادبي وأصبحت حبيسة كتب التراث ولا يتداولها الا الباحثون المتخصصون في دراساتهم .

دراسة طبيعة المجتمع الجاهلي هي الوسيلة الوحيدة لمعرفة سبب شيوع تلك اللغة التي تجاوزها التداول المعاصر لانها صارت غريبة وغير معروف معناها عند العامة على الاغلب .

اول ما يمكن ملاحظته على المجتمع الجاهلي هو عدم الاستقرار بل وكثرة السفر والترحال اذ تفرض الطبيعة الصحراوية التنقل الدائم بحثا عن الماء . والماء كما هو معروف عنصر الحياة الاول وبدونه يكون الموت الاكيد للانسان والحيوان .

هذا يعني الصراع بين القبائل للسيطرة على بركة ماء وقد سالت دماء كثيرة لهذا السبب .. فمتى كان الماء كان الاستقرار المجتمعي واذا كان الاستقرار هدأت الحياة التقليدية وانتعشت الحياة الروحية فيكون النتاج العقلي والعاطفي .. ففي الحروب تتكلم لغة السيف والدم وفي الاستقرار والسلام والامان نجد الوصف والغزل والحكمة ..

مما تقدم وعند الحديث عن الماء فقط راينا التحول من الدماء الى الغزل بسبب حالة طبيعية واحدة فماذا نقول عن الامور الاخرى التي تفرزها حرارة الصيف اللاهب وقسوة الشتاء البارد مثلا وحاجة الانسان الى الاستقرار ضمن هذين المتضادين وتأثير ذلك على بناء الاسرة والالتزام بالقوانين القبلية طلبا للحماية وردا على هجمات الباحثين عن الشر من اللصوص والجياع .

هذا الواقع البيئي والاجتماعي يتطلب لغة فخمة تناسب طبيعة الحياة القلقة والجافة والقاسية اذ لا بقاء الا تحت حماية السيوف ولا يعرف الرجال الا فنون الحرب عند الحاجة اذ انهم مهددون ولا يعرفون الاستقرار بينما تنصرف النساء الى التربية واعمال البيت والرعي والاعمال اليدوية كالنسيج مثلا ..

اعتماد البدوي على الناقة في حياته وجعلها وسيلة لا يمكن التخلي عنها فهي وسيلته في النقل ومنها وبرها للنسيج وحليبها ولبنها للاكل و لحمها ايضا وحتى بعرها للوقود ولذلك كثرت الفاظ وصفات الناقة في ذلك العصر بينما انقطع ذكرها اليوم لعدم حاجتنا اليها ..

وبرغم كل ما تقدم وصل الينا الشعر الجاهلي لا سيما في المعلقات ليعبر عن الواقع الاجتماعي فقصيدة زهير بن ابي سلمى فيها كثير من الحكمة وقصيدة امرئ القيس فيها كثير من الغزل وقصيدة عنترة بن شداد فيها كثير من الفاظ الحرب ونجد الصراع القبلي واضحا في قصيدة عمرو بن كلثوم اما الترحال والاطلال فلا تكاد تخلو قصيدة منهما .

قد يعجبك ايضا