النظام السياسي الإنتحاري !

 

 

 

كامل سلمان

لقد سمعنا عن الشخص الإنتحاري الذي يقتل نفسه ويقتل معه الآخرين كأسلوب إنتقامي للضعيف لقهر القوي . لكن أغرب ما شاهدناه وسمعناه بالعصر الحديث هو ظهور أنظمة حكم سياسية إنتحارية على غرار الإنتحاريين الذين يفجرون أنفسهم ليوقعوا أكبر عدد من الخسائر في صفوف العدو ، فالنظام السياسي الإنتحاري لا يوقع أي خسائر بالعدو ، بل يسلك سلوكاً خاطئاً فيقع في مأزق كبير لا يستطيع الخروج منه فيعلن نفسه التحدي النهائي وهو ما نسميه الإنتحار ( النصر أو الشهادة ) ومفهوم النصر عند الأنظمة الإنتحارية انتظار عطف الدول القوية ليتركوا له الأمل بالبقاء وتحقيق بعض الاهداف للحفاظ على ماء الوجه ، والشهادة بمعنى أن يخلد نفسه للأجيال بعد أن تأكد للجميع أن النظام السياسي سائر إلى الزوال . بالنسبة للشخص الإنتحاري كنت دائماً أعتبره هو ذلك الإنسان الذي يصل لمرحلة لا يستطيع عقله تحمل وجود جسده في الحياة فيقرر التخلص من جسده بأية طريقة كانت لكي يلبي طلبات النفس أو العقل فيخلد للراحة ويزيح هذا الهم الكبير الذي سلب راحته ، حاله حال الإنسان الذي ينتحر يائساً من الحياة ، ولكن الفرق بينهما هو أن هذا اليائس من الحياة عقله هو الذي أوصله إلى هذه المرحلة بينما الإنتحاري الذي يقتل الناس أو الأعداء فأن عقله خضع لتأثير عقول أخرى فقررت له الإنتحار . حديثنا نقترب به إلى معرفة الأنظمة السياسية الحاكمة التي رضت بالإنتحار بعد أن فشلت في سلوكها السياسي الذي أوصلها إلى المهالك ولنا أمثلة كثيرة في هذا المجال حدثت بالماضي وتحدث هذه الإيام لأن هذه الأنظمة لم تعد قادرة أن تقدم شيء لشعوبها ولا للإنسانية ولا هي قادرة العودة إلى الوراء لتصحيح مسارها وقد وقعت في عدة أخطاء كبيرة وجب عليها دفع ثمن هذه الأخطاء ، نريد أن نسلط الضوء على نقطة حساسة في هذا الطرح ، وهي كيف ولماذا يضع هذا النظام السياسي نفسه في عنق الزجاجة فيجعل الإنتحار سبيله الوحيد لتغطية سلسلة الفشل ؟ وماهي الخطوات الخاطئة التي توصله لهذا المستنقع . أقولها بكل وضوح بأن أي نظام سياسي يزحف قادته نحو الدكتاتورية أو المركزية المطلقة وتحمل نفسها اهداف ومبادىء أكبر من حجم نظامها السياسي ينتهي بها المطاف إلى الإنتحار السياسي . لماذا ؟ هناك مرحلة تسبق إنتحار النظام السياسي ، هي مرحلة إسكات الصوت المعارض الذي يفضح الأخطاء ، وبسبب حب فرض الرأي الواحد فأن هذا القائد أو النظام السياسي القائم يسعى للتخلص من منافسيه في الداخل ليستفرد بالسلطة دون مراعاة لمصلحة البلد ، فيتخلص من عقول تقومه إذا أخطأ فيصبح ما تبقى من رجال السلطة الذين يحيطون بهذا القائد أو هذا النظام السياسي يخشون على حياتهم و يطاوعون قادتهم ولا يتجرأون على مخالفة ما يصدر من هذا القائد ونظامه السياسي ، فعندما يخطأ القائد يسكتون وعندما ينجح يصفقون فتتراكم عنده الاخطاء ، لأن عقلية الفرد الواحد مهما كان علمه فأن نسبة الأخطاء عنده تزداد مع مرور الوقت . تراكم الأخطاء تنتهي بالخطأ القاتل الذي يضعه أمام قرار الإنتحار السياسي . هذا السلوك الخاطىء سقط فيه الكثير من القادة ، منهم من هلك ومنهم من ينتظر ساعة هلاك نظامه السياسي ، وعندما ينهار نظامه السياسي تنهار معه كل مؤسسات الدولة ، لأن حتى مؤسسات الدولة لم يتركونها مستقلة ، فكل مخالف بالنسبة لهم منبوذ مطرود أو مقتول عكس الدول التي تبقى مؤسسات الدولة فيها مستقلة ويبقى النظام القضائي والنظام التشريعي أنظمة مستقلة ، فإذا سقط النظام السياسي لا تسقط الدولة . فأي نظام سياسي سقوطه يؤدي إلى سقوط كيان الدولة فهو دليل أختفاء الرأي الأخر أو إختفاء قوى المعارضة السياسية داخل النظام السياسي أو داخل الدولة ، ولنا مثال في النظام السياسي الذي قاده هتلر وصدام حسين ونظام معمر القذافي ونظام بشار الأسد ونظام كوريا الشمالية والمنظمات الإرهابية وحتى بعض الدول التي تتشبث بالديمقراطية وتظن نفسها بإنها أنظمة ديمقراطية شكلية لها نفس المصير … دائماً ما نجد الإعلام الذي يقوده اعداء ذلك القائد او ذاك النظام الانتحاري يركز في بثه الإعلامي على شخص او اشخاص في ذلك النظام ليجعل منهم البعبع المخيف ، وهذا اسلوب اعلامي رهيب يدفع تلك الشخصيات او الشخص القائد إلى المزيد من الدكتاتورية وفرض الرأي الواحد ( في ظنه أن الاعداء يخشونه هو وحده ) فيحصن نفسه أكثر ويصيبه الغرور والعظمة أكثر حتى يصل مرحلة التخبط و الوقوع في الخطأ الكبير الذي يجعله يختار طريق الإنتحار السياسي .

قد يعجبك ايضا