شيء عن قصيدة النثر  

 

د . صباح ايليا القس

 

لا يمكن ان ننكر ان الحياة تتطور وان التطور يشمل مناحي الحياة برمتها لا سيما المظهر والجوهر ونقصد بالمظهر طبيعة عيش الانسان وبيئته وتأثيره في البيئة وتأثير البيئة عليه ومدى ما يأخذ كل طرف من الطرف الثاني .

ونظرة تاريخية بسيطة الى الوراء ومتابعة الحياة الانسانية الاولى يمكننا ان نستلخص مدى النشاط الذي بدأ من مرحلة الرعي الى الاستقرار الى البناء الى النضج الفكري والتدوين احيانا وما يزال الانسان يجتهد في ميادين الحياة ومنها الادب والثقافة العامة والشعر على وجه الخصوص الذي يشكل الجزء المهم في مسيرة الادب العربي من الجاهلية وحتى اليوم .

لا نريد ان نستعرض العصور الادبية وسمات كل مرحلة وعصر لان ذلك يتطلب حديثا غير الذي نقصده الان .

من العصور الادبية التي يشتغل عليها النقد هو العصر الحديث الذي حدده النقاد بوصول المطبعة بعد حملة نابليون بونابرت على مصر وجعلوا دخول المطبعة دليلا على بدء مرحلة جديدة من الحياة الادبية بعد مرحلة الجمود والاعتماد على الاستنساخ وتكرار ما ابدعه القدماء بالرغم من ان بعض النقاد فندوا هذه المزاعم واكدوا وجود ابداعات في الشعر وغيره من فنون الكتابة .

نظرية التصور شملت العالم باسره ولا سيما الادب فكما أثّر العرب في العالم واينما وصلت اقدامهم من الصين غربا الى اسبانيا الاندلس غربا تأثروا هم ايضا بما عند الامم الاخرى من علوم واداب وفنون وهذا يسمى بالتلاقح الفكري بين الحضارات وليس في ذلك عيب او نقص على الجانبين بل ان ذلك يُعلي البناء الحضاري والانساني .

يبدو ان الشعر الذي يأخذ المركز الاول في الرعاية الادبية والاندفاع نحوه وممارسته وحفظه وتدوينه والتباهي به ولا بأس ان نقول ونتباهى ان العرب شعراء على الطبيعة فمن لم يكن شاعرا كان حافظا للشعر ومن لم يكن حافظا للشعر فهو من المتابعين للشعر قراءة وتدوينا .

اعتمد الشعراء الى بداية العصر الحديث على التقليد في النظام الشعري معتمدين على الوزن والقافية وتدوير الموضوعات التي عالجها الشعراء الاقدمون غير ان النهضة التعليمية والتعرف على ما عند الآخرين دفعت الشباب المتفتح الى معالجة موضوعات جديدة والفاظ معاصرة بحيث تجددت الحياة في الدماء الباردة التي توافقت مع عصر الانفتاح .

يبدو ان الحرب العالمية الثانية حفزت الشباب على كسر طرق الجمود وتحدي القوانين الثابتة في كتابة الشطرين والقافية فكان بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري من اوائل من تجاوزوا المألوف وكتبوا شعرا موزونا خاليا من القافية وكانت هذه القصائد بداية الثورة على نظام البحور الشعرية والقافية ولا بد ان تلاقي مثل هذه التحديات عراقيل واتهامات ولكن صمود التجربة والطاقات الابداعية ودماء الشباب وقفت امام التحديات وسجلت حضور قصيدة الشعر الحر .

فتحت قصيدة الشعر الحر الباب امام الشعراء المجددين الآخرين لكي يأخذوا دورهم في التجديد الثاني فحين كسر الاولون قانون القوافي والتزموا بالشطر الواحد جاء المجددون الآخرون وكسروا حاجز الميزان الشعري والتخلي عن الاوزان الخليلية ( التي سجلها الخليل بن احمد الفراهيدي ) بحيث اصبحت القصيدة الجديدة خالية من الوزن والقافية وصارت تسمى قصيدة النثر في نهاية الستينات مع صدور البيان الشعري لشعراء الحداثة في عام 1969م وكانت مجلة الكلمة هي التي نشرت البيان الشعري واصدرت عدة اعداد تعالج وتدافع نقديا عن قصيدة النثر مع نشر قصائد من اسهموا في انضاج هذه القصيدة ..

أخذت قصيدة النثر مكانها بين القصائد الشعرية وكما كان للشعر الحر انصاره صار لقصيدة النثر انصارها وكتابها وشعراؤها واغلبهم من الشباب المثقف الذي اعتمد على الموسيقى الداخلية والتكثيف الفكري معبرين عن قلقهم وثورتهم وكسر الجمود في الواقع الثقافي والتلاحم مع المد الحضاري العربي والعالمي .

قد يعجبك ايضا