غفور مخموري*
الجزء الرابع
3- التاريخ/ كل أمة لها تأريخها وتراثها الذي تعتز وتفتخر بهما وتحاول الحفاظ عليها لأن تأريخ وتراث كل أمة هما سجل عام لهذه الأمة مدون فيها أفراحها وأتراحها، أنتصاراتها وأنكساراتها وكبواتها. ويأخذ أبناء الأمة جيلاً بعد جيل العظة والعبرة من تأريخهم السابق. والكورد كأية أمة صاحبة تأريخها الخاص بها ويفتخر الكورد بتاريخهم الذي هو سجل أمجادهم ومجابهتهم المستمرة للمحتلين والفاتحين والغزاة. وهو سجل الإنكسار والإنبعاث والنمو من جديد والأنتصار في كل ميادين الحياة. الكورد على مر التاريخ دافعوا عن أراضهم وجابهوا أعداءهم وأنتصروا عليهم أحياناً وتعرضوا لنكسات وخسائر فادحة أحياناً أخرى، ولكن لو أمعنا النظر فأنه عقب كل إنكسار ونكسة كان الكورد يعاودهم التفكير في مستقبلهم ويهبّون مرة ثانية للنهوض وهكذا دواليك كان تاريخ الكورد انتصار وأنكسار متعاقب وفي كل مرة يقدم الآلاف من القرابين والتضحيات… الخ.
لقد سعى المحتلون دوماً الى تشويه وطمس وتزييف تاريخ الكورد وكوردستان (لقد تم إزالة ومسح كل الدلائل التاريخية والسياسية والفكرية والأدبية للكورد قبل الإسلام)(231). وفي سبيل إزالة وتبديل التاريخ والتراث الكوردي عمد محتلو كوردستان احياناً كثيرة ومع إستخدام القوة في كل هجمة شنوها على كوردستان لتخريب وإزالة جميع الآثار والشواخص والمدونات التأريخية الكوردية التي وصلتها أيديهم.
ففي أثناء الفتوحات الأسلامية لكوردستان وفي عهد الخليفة (عمر بن الخطاب) أمر جميع جيوشه المتقدمة في كوردستان بحرق جميع ما وصلت اليه أيديهم من الكتب والمدونات(232). وكما أسلفنا فأن مدونات وكتب الكورد هي نتاج الفكر الكوردي وسجل لتأريخهم. وهنا تستوقفنا عدة تساؤلات هل كانت هجمات العرب المسلمين في سبيل نشر الدعوة الأسلامية في المنطقة أم كانت لأحتلالها وتعريبها؟!
هنالك حقائق كثيرة وهي ان الهجمات الأسلامية اللاحقة كانت تتم بيد الجيوش العربية وان مصطلحا (العرب والاسلام) استخدمتا كوجهين لعملة واحدة في ذلك العهد(233).
فأذا كان هدفهم نشر الدين الاسلامي فلماذا عمدوا الى أحراق وتدمير وأزالة تاريخ وثقافة الشعوب الأخرى؟، أن لم تكون تهدف وتنصب أساساً لنشر وتثبيت أرائهم وأفكارهم القومية العربية بالقوة ومسح القوميات الأخرى!! وبالرغم من كل ذلك وبعد أن أسلم الكورد، سعوا دوماً للمحافظة على وجودهم وتاريخهم الخاص بهم. وسعت السلطات العربية دوماً للأستمرار في سياسة الأبادة متذرعين بشتى السبل والذرائع التي أبتكروها لغرض تخريب وطمس تأريخ الكورد، مثلما قامت به السلطات العراقية بأسم (أعادة كتابة التأريخ)، حيث قام النظام العراقي المحتل بكتابة تأريخ العراق مع تحريف وتبديل وتزييف تأريخ الكورد وجعل كل ما هو مجيد في جنوب كوردستان جزءاً من تأريخ العراق والعرب، ويحاول النظام العراقي دوماً الى إغتراب وتباعد الكورد عن تأريخهم ويثبت في الأذهان دوماً ان تاريخهم هو جزء من تاريخ العراق وان تاريخ العراق الذي كتبه هو تاريخ الكورد. وسلطات النظام السوري تتبع نفس الأسس والصيغ لكي لا يشعر الكورد بأن لديهم تاريخهم وبالتالي أنهم ينتمون لقومية مستقلة عن العرب. تعريب كوردستان لها مخاطر كبيرة على تأريخ وتراث الكورد وسوف نتلمس هذه المخاطر مستقبلاً.
4- العادات والتقاليد/ العادات والتقاليد من الخصائص القومية الدالة لكل أمة. وينظر لها بأعتبارها هوية التعريف لهذه الأمة. والكورد أصحاب عادات وتقاليد أصيلة خاصة بهم تختلف عن عادات وتقاليد الأمم الأخرى وسعت دوماً الى الحفاظ عليها بعيداً عن تأثيرات تلك الأمم. (تشتمل العادات والتقاليد، الأزياء، طراز الأبنية، التعامل اليومي داخل المجتمع، العادات الخاصة بالشؤون الشخصية كالزواج والطلاق والأفراح وقضايا الموت والدين والعزاء. والتعامل مع الضيوف والغرباء، عادات وتقاليد الزراعة والتجارة والصناعة، الفولكلور والتراث الشعبي، الفن ومايتعلق به. الأعياد القومية والدينية… الخ)( ).
هذه العادات والتقاليد تعبر عن واقع الحياة المعاشية اليومية للمجتمع الكوردي، سعت السلطات العربية دوماً الى تغيير وطمس وتزييف العادات والتقاليد الكوردية.، أو أقتباسها وتشويهها. فلقد عملت الجيوش العربية منذ بدء هجماتها على كوردستان للعمل من أجل (إغتراب الشعب الكوردي عن لغته وثقافته وحياته الإجتماعية والقومية الخاصة به)(234). وسعوا لكي ينسى الكورد عاداتهم وتقاليدهم الأصلية وترسيخ العادات والتقاليد العربية عليهم. ولقد شملت أساليب وسبل طمس وإزالة الخصوصية في العادات والتقاليد الكوردية، منع الأحتفالات الدينية والقومية الوطنية الكوردية. ومنع إرتداء الأزياء والملابس الكوردية ونرى ذلك بصورة جلية في غرب كوردستان وسوريا(235). وسعوا لتغيير أسماء المناسبات والأعياد القومية الكوردية وخلطها مع مناسباتهم وأعيادهم وعلى سبيل المثال فقد أعتبروا عيد نوروز (عيد الربيع أو عيد الشجرة أو عيد الأم). ولقد كان لإحتلال أجزاء كوردستان من قبل ثلاثة شعوب شرقية أخرى (الفرس، الترك، العرب) أثر كبير في فرض ثلاث أنواع مختلفة من العادات والتقاليد الأجتماعية على المجتمع الكوردي. وهذه القوميات السائدة سعت دوماً لفرض عاداتها وتقاليدها على الأمة المسودة (الكورد) ففي جنوب كوردستان، وغرب كوردستان تأثر الكورد بالعادات والتقاليد العربية. وفي الشرق بالعادات والتقاليد الفارسية، وفي الشمال بالعادات والتقاليد التركية.
وهنالك خاصية مهمة سعى اليها المحتلون العرب وخاصة النظام العراقي حيث أن تخريبه وتدميره للمدن والقصبات الكوردستانية وترحيله وتهجيره أبناء شعبنا فإنما كان يرمي من ذلك تغيير واقعهم الأجتماعي.
فتجميع الكورد المرحلين في مجمعات قسرية وتوطينهم بالقوة أدى الى أختلاط الكورد من مناطق كوردية مختلفة تميزت كل منها بخصائص خاصة بها مما أدى الى أغتراب البعض ونسيانهم لعاداتهم وتقاليدهم الرصينة وقطعهم من جذورهم وماضيهم. (وكذلك ترحيل الكورد الى مناطق جنوب العراق أو المدن السورية (العربية) أدى الى نسيان الكورد المبعدين والمرحلين للخصائص القومية الرصينة الخاصة بهم وأقتباسهم لعادات وتقاليد عربية بحكم الواقع اليومي المعاشي او بفرضها عليهم بالقوة).
* السكرتير العام للاتحاد القومي الديمقراطي الكوردستاني YNDK