د . صباح ايليا القس
استكمالا لموضوع كيف نفهم الادب لا بد من الكتابة عن اللغة الادبية وسوف يطوف في ذهن المتلقي سؤال وهو هل اللغة الادبية هي غير اللغة التي نتداولها في القراءة والكتابة ؟
اقول ان اللغة الادبية هي لغة خاصة نعم هي تتطابق من حيث الحروف والكلمات مع اللغة التي درسها الجميع ولكن ما يكتب للعلوم الجافة شيء وما يكتب بنَفَس ادبي شيء اخر .. واقول ايضا ان حصيلة المتعلم من المفردات قد لا تتجاوز خمسمئة الى الف كلمة ويسمى هذا المعجم اللغوي للفرد وكل فرد بحسب تخصصه ( غير الادبي ) يجد نفسه يتداول كلمات محدودة اذ لا يحتاج الى غيرها لايصال المعلومة بشكل مباشر وليس هناك خروج عن معنى الكلمة كما يعرفه الجميع او كما جاء في المعجم الكلمة ومعناها الحقيقي وليس المجازي .
اما في حرفة الادب فليس شرطا ان تكون الكلمة ملتزمة معناهها الحقيقي اي يجوز للاديب ان يأخذها على معناها الحقيقي او يطير بها الى معنى مجازي لا يفهمه غير الادباء بشرط ان تكون هناك قرينة دالة على المعنى المجازي او يستطيع الادباء فهم الالغاز والشفرات الادبية ويكون ذلك بحسب القدرات والطاقات او قد يجد المفسرون اسرارا اخرى قد لا يكون الاديب يقصدها اصلا وعلى هذا جرى الاختلاف بين النقاد والمفسرين لا سيما شرّاح دواوين الشعراء ولذلك قال المتنبي عندما وجد صراعا بين من تصدى لشرح قصائد ديوانه من رجالات عصره :
أنام ملء جفوني عن شواردهــــــا ويسهــــــر الخلق جرّاها ويختصمــــوا
ويكون معنى البيت ان المتنبي قد قال قصائده وانتهى اما من جاء بعده من النقاد والشراح فقد اختصموا في التفسير وهذا يعد في حرفة الادب إثراء للنص ؟ اما لماذا اختصموا ؟ نقول انهم اختصموا لان لكل واحد منهم فهمه الخاص الذي ادركه بحسب معرفته وثقافته بينما يجد الآخر ما يغاير ويستنتج ويضيف ما لم يدركه الاول وقد يكونان وغيرهم على غير ما قصده المتنبي في شعره ولأجل هذا يقال ( المعنى في قلب الشاعر ) .
اللغة الادبية ليست حروفا وكلمات بل ان حرفا قد يقلب معنى وفي العربية قد تقلب حركةُ المعنى من السلب الى الايجاب والعكس صحيح .. ومن يقلب اوراق المعاجم العربية الكبيرة وليست المختصرات سيجد ان لكل كلمة عدداً من المعاني ولكل معنى يرد هناك دليل وشاهد يدعمه فضلا على ان اللغة تتطور وتنمو بما يفرضه الاستعمال او عن طريق الاشتقاق والنعت والتعريب فلو جئنا الى كلمة ( ثلاجة ) وهي من المستحدثات العصرية فقد لا نجد لها المعنى الذي نعرفه اليوم بوصفها جهازا يقوم بحفظ المواد الغذائية وتبريد الماء وكذلك ما يطرحه السوق والاختراعات من مكائن ومعدات وأية لوازم اخرى .
النحت اللغوي والاشتقاق من دلائل تطور اللغة وبقائها وديمومتها وصحتها وسلامتها من الاندثار نعم الاندثار فهناك لغات سادت ثم بادت كاللغة المسمارية مثلا اي اندثرت ولم يعد لها وجود على ارض الواقع الا في بطون الكتب او عند بعض المتخصصين الذين تعلموها بالدرس الخاص بعد أن فكك العلماء الآثاريون شفرات تلك اللغة .
تقوم اللغات على الحروف اولا التي بوساطتها تتشكل الكلمات وعند ربط الكلمات مع بعضها تكون هناك جملة فاذا تشكلت جملة كاملة صار لزوما ان يكون لهذه الجملة معنى .. فاذا كانت كلمة مفردة او حرف مبتور فليس لهذين قيمة معنوية والقصد ان الكلمة الواحدة والحرف الواحد المجرد لا يخلصان الى معنى الا اذا اتحدت الحروف وصارت كلمة وتجاورت الكلمات حتى تكون جملة واذا كانت جملة فيجب ان يكون للجملة معنى ودلالة وبعكس ذلك فالكلام هواء في شبك أي ليس له قيمة ولا فائدة .
الجملة الدالة هي كلمات متعالقة وحروف متناسقة لها قيمة معنوية يطلقها القائل ويفهمها السامع مع دلالتها وقصديتها من دون اشارة حسية اخرى فالشخص يفهم ما يريده الآخر ويفسر هذا القصد ويتخذ له ما يتطلبه من غرض .