أ. مهجة مشهور
الرؤية المزدوجة للزمن:
يعبر القول المأثور لعبد الله بن عمر رضي الله عنه: “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا”، تعبيرا دقيقا عن مفهوم الزمن في الرؤية الإسلامية معبرا عنها بالعمل:
“اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا”، تحمل هذه الكلمات القليلة معنى خاص لعمل الفرد في الرؤية الإسلامية، معنى يتجاوز الفترة الزمنية القصيرة لحياة الإنسان على هذه الأرض، فيفتح لهذا العمل الأفق الزمني كأنه العيش إلى الأبد، وذلك من خلال الإسهام في البناء الحضاري الإعماري على هذه الأرض، فتنتقل ثمرة هذا الفعل عبر الأجيال المتعاقبة بل للإنسانية جمعاء حتى يوم الدين، فالإعمار هنا يستدعي معنى حضاري تراكمي، والزمن فيه زمن حياتي متسع، متعدي لعمر الفرد الواحد إلى عمر الإنسانية بمقدار ما يضيف كل فرد إلى البناء الحضاري الإنساني من خلال عمله في الميادين الاقتصادية والفكرية والعلمية المختلفة، فالقرار الاقتصادي للفرد في هذا الزمن المتجاوز لعمره لا يتطلب ضرورة رؤية ثمار هذا القرار في حياته، وإنما قد يتخذ من القرارات ويساهم بأعمال قد تجنى ثمارها وتمكث آثارها إلى أولاده وأحفاده والى المجتمع والإنسانية جميعها. فتأتي هذه الرؤية للزمن الممتد في هذه الحياة لتكون حثًا للفرد على العمل والكد وعدم الانسحاب من عملية عمارة الأرض.
“واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا”، وهنا يأتي مفهوم آخر للزمن، يعطى للعمل امتدادً زمنيًا مختلفًا، وهو زمن حياتي قصير لينفتح الامتداد الزمني إلى ما بعد الموت، فإذا كان المفهوم الأول للزمن يدفع إلى تلك النوعية من الأعمال التي تحقق الإعمار في الأرض والتي تتصف بالكفاءة والبنائية، فإن المفهوم الثاني للزمن يضفي على هذا العمل أبعاده القيمية العقدية، فهو يحمل معنى التزكية للإنسان، ومعنى المراقبة المستديمة للنفس وتقوى الله في كل وقت، وتدفع إلى اتخاذ السلوك والمواقف التي تحقق المنفعة ليس فقط في هذه الحياة الدنيا ولكن تتعداها إلى الدار الآخرة، هذا الامتداد الزمني إلى ما بعد الموت يصحح للإنسان قراراته، ويجعله يبحث عن النتائج المترتبة على أفعاله في هذا الأفق الرحب المتجاوز للبعد الحياتي الضيق، فلا تكون محكومة بشهوة عابرة قد يدفع الإنسان ثمنها في الآخرة، أو بهوى نفس قد يُسقط مردود هذا العمل في الآخرة حتى لو كان له معنى مادي حقيقي في هذه الحياة الدنيا.
من الناحية الاقتصادية نجد أن هذا المفهوم المركب للزمن يعمل على التحكم في القرارات الاقتصادية وفي الفعل المادي للإنسان المسلم، فالتضافر بين “العيش إلى الأبد” “والموت غدا” يضمنان عدم السقوط في أية خطيئة من خطيئتين، فالعمل للدنيا والركون اليها والاطمئنان بها دون استحضار لإمكانية قرب الأجل والحساب يسقط الإنسان في المادية رغم إيمانه بالله تعالى، فيتخذ من القرارات الاقتصادية ما يتعارض مع الإطار الشرعي والقيمي للمؤمن الحق.
{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} (الشورى – 20)
{مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (هود- 16)
أما استحضار “الموت غدا” دون تذكر للمسئولية الاستخلافية للإنسان على الأرض فيجعله ينسحب من ميدان العمل ويترك أمر إقامة الحضارة وإعمار الأرض الذي هو من قبيل الفرض الكفائي، وهذا يعنى الالتفات إلى الخلاص الشخصي فقط والرسوب في ابتلاء عمران الأرض وإقامة العدل والحضارة فيها.
” إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليفعل“[1].
إذن فبمقدار فاعلية العمل وإيجابيته وإضافته -مهما كانت بسيطة- إلى خير مجتمعه، ينفتح الأفق الزمنى الحضاري أمام الفرد إلى ما لا نهاية، وبمقدار كون هذا العمل في إطار من تقوى الله يكون الشعور بالرضا للقاء الله تعالى، ويجعل الأفق الزمنى العقدي للفرد يمتد إلى ما لا نهاية، وذلك يؤثر على الاختيارات الاقتصادية والسلوك الاقتصادي للإنسان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مسند أحمد. باقي مسند المكثرين (12569)